موظفون بلا طموح

تم نشره في الأحد 24 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

حديث الحكومات، بما فيها الحكومة الجديدة، عن الاصلاح، بما فيه اصلاح اداء الحكومة والقطاع العام، يفترض ان لا يتجاوز بعض المفاصل الاساسية في اداء القطاع الحكومي، والتي اصابها الإحباط وانخفض سقف آمالها، وتوقفت طموحاتها عند سقف لا علاقة له بقدراتها وخدمتها الطويلة او كفاءتها وخبرتها، وانما يرتبط الامر بأعراف ادارية تعاقبت على الحكومات واصبحت اشبه بالقانون.


فالموظف يقضي ثلاثين عاما او اقل منها بقليل في دائرة او مؤسسة، يمارس عمله فيها بخبرة واقتدار، ويعرف كل تفاصيل العمل، وينال الترفيعات الوجوبية والجوازية، التي تجلب لراتبه زيادة شهرية بعدة دنانير. وبحكم ما يسمى السلطة التقديرية لمجلس الوزراء، وسلطة كل وزير بتعيين امين عام لوزارته، يهبط على الوزارات والمؤسسات امناء ومديرون عامون آتون من القطاع الخاص دون اي خبرة بالعمل الحكومي، او عمل هذه الدائرة او المؤسسة او الوزارة، او وفق قانون المعارف والاصدقاء وارضاء النواب، او ادخال البعض الى دائرة الضوء ليكون جاهزا للانتقال من هذا الموقع الى طبقة اصحاب المعالي.


وفي زمن ثورة المعلومات وموضة حمَلة اجهزة الكمبيوتر، اصبح متوقعا ان يأتي على رأس ادارة او مؤسسة من ترشحهم هذه الاوساط باعتبارهم حملة لواء التطوير. اما مئات، وربما آلاف الموظفين، فقد اصبح من واجبهم قضاء عشرات السنين في الخدمة، وممارسة تقديم التهاني للهابطين عليهم بالبراشوت الاداري.

وعليهم واجب تعليم المسؤول الجديد ابجديات الانظمة والقوانين، وان يكونوا ساحة للتجارب ولتطوير مهارات المسؤول الهابط عليهم. ولهذا يصبح طموح معظم هؤلاء ان يحظوا بلقب مدير عام بالوكالة، او امين عام بالوكالة عند سفر المسؤول الاصيل، او اذا تم عزله بانتظار تعيين مسؤول جديد.


وحتى من يخرج منهم عن القانون والسقف، وينتقل الى موقع مدير عام او امين عام لوزارته، فان كل مؤهلاته لن تعطيه حق الطموح بالانتقال الى موقع الوزارة، الا اذا امتلك شبكة علاقات. أما أن يكون باب الطموح مشروعا لاي امين عام صاحب تاريخ ايجابي فهذا غير مألوف. ولو كان موقع الوزارة يحتفظ بمواصفاته السياسية، او انه موقع سياسي تختفي مواصفاته الفنية امام الاسباب السياسية لمجيء فلان وزيرا، لكان الامر مختلفا، لكن ماذا يبقى من طموح امين عام مجتهد صاحب خبرة طويلة وهو يرى نفسه مضطرا للعمل تحت ولاية وزير حديث خبرة، ينتقل لهذا الموقع السيادي السياسي الفني من عمل عادي الى رأس هرم وزارة، ويحتاج الى اسابيع وربما شهور حتى يدرك تفاصيل عمل الوزارة واهتماماتها واوضاع كادرها.


اذا كان الموقع الوزاري فنيا لا ضرورة فيه للسياسة، فان اهل الوزارة اقدر واكثر خبرة على اداء مهامه، وبخاصة في ظل الخيارات العادية التي شهدها المواطن في الحكومات الاخيرة. كما ان ابقاء باب الطموح مفتوحا لموظفي كل دائرة او مؤسسة او وزارة للوصول الى اعلى المراتب جزء اصيل من اي عملية تطوير واصلاح، وزيادة للحوافز الحقيقية للموظفين. واذا كانت بعض التشكيلات الحكومية تهبط على الوزارات والدوائر بوزراء ومديرين وامناء عامين يجربون قدراتهم، فلتعط ذات الفرصة لموظفي كل قطاع بدلا من الخيارات غير المفهومة التي نعيشها.

التعليق