مسرح العبث وزيارات رامسفيلد المفاجئة للعراق

تم نشره في الجمعة 22 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً



فاجأ وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد بغداد، مؤخرا، بزيارة هي التاسعة له منذ احتلال القوات الأمريكية والحليفة لها العراق قبل عامين. وتأتي هذه الزيارة في أعقاب تنفيذ عدد من الخطوات (الديمقراطية) في البرنامج الأميركي (لبناء العراق الجديد)، وهي الانتخابات وتشكيل (المجلس الوطني المؤقت) وانتخاب (رئيس العراق المؤقت) وتعيين رئيس للوزراء.

 كما جاءت هذه الزيارة لتفقد القوات الأميركية، وتوجيه التعليمات لمن يلزم من أجل إتمام هذا البرنامج المتعثر الذي رغم كل ما تم في إطاره لا يزال يتعثر، وبفضله يزداد وضع العراق سوءا على كل المستويات.


وفي هذه الزيارة، كغيرها من الزيارات، أشاد رامسفيلد بما تم (إنجازه) في العراق في العامين الماضيين على احتلاله، وحيا الجنود الأمريكيين، وقلد بعضهم (أوسمة الشجاعة) على ما قدموه للشعب العراقي والإنسانية من جرائم وفضائح، وما دمروه من قيم ومبادئ، قبل الموارد والممتلكات ومصادر الرزق والحياة.

 لكن رامسفيلد لم ينس هذه المرة أيضا أن يؤكد على بقاء قوات احتلاله في العراق لأجل غير مسمى، معلنا أن "الولايات المتحدة لم تضع استراتيجية لسحب قواتها من العراق، وأن هذا الإجراء رهن بقدرة القوات العراقية على تولي مهام الأمن"!


وكانت أول التحذيرات التي أطلقها رامسفيلد لأركان السلطة العراقية الجديدة هو أنه حذر رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري، وفي مؤتمر صحفي مشترك معه في بغداد، من مغبة التدخل في عمل الأجهزة الأمنية وإجراء أية تغييرات فيها، لأن الملف الأمني هو من اختصاص القوات الأميركية المحتلة وسيبقى كذلك، وسيظل تحت إشراف الجنرال الأميركي ديفيد باتريوس! ولا يمكن أن يفهم من كلام رامسفيلد هذا إلا أن القوات العراقية ليست ولن تكون في مدى منظور قادرة على تولى مهام الأمن في البلاد.


ومع أن الخبراء العسكريين والأمنيين الأميركيين يقدرون أن الولايات المتحدة ستضطر إلى إبقاء قواتها في العراق لمدد مختلفة تتراوح بين 10-50 سنة، إلا أن المدة الحقيقية التي ستبقى فيها هذه القوات هي المدة التي تحتاجها المقاومة العراقية لطردها من البلاد، وذلك عندما تصبح الإدارة الأميركية (أي إدارة) عاجزة عن تحمل أعباء البقاء.


لقد سمع العالم كله ما قاله جورج بوش ودونالد رامسفيلد وكوندوليزا رايس في مناسبة الذكرى الثانية لاحتلال العراق، وكلهم أعلنوا أن العراق أصبح (نموذجا) في كل شيء، وليس فقط في الالتزام بنشر الديمقراطية. مع ذلك، فإن التقارير الصادرة عن الهيئات والمنظمات الدولية تظهر بوضوح حجم معاناة  العراقيين في ظل الاحتلال الأميركي.


فعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي الأسبوعين الماضيين فقط، امتلأت وسائل الإعلام بما يرد ويدحض ادعاءات أركان الإدارة الأميركية. فمثلا، اتهم مقرر الأمم المتحدة للحق في الغذاء، جان زيغلر، في تقرير نشر يوم 1 نيسان2005، قوات التحالف الذي تتزعمه الولايات المتحدة في العراق بحرمان المواطنين من الغذاء والماء، وباستعمال هذا الأمر (كسلاح حرب).

 ومستندا إلى عدة دراسات منشورة في الصحافة العالمية في السنة الماضية، نص تقرير زيغلر على أن "سوء التغذية لدى الأطفال العراقيين ما دون الخمس سنوات قد تضاعف تقريبا منتقلا من 4% إلى 7,7% منذ سقوط بغداد".

 وندد زيغلر بما سماه (المأساة الإنسانية) التي يعاني منها سكان العراق، مؤكدا أن "ربع الأطفال العراقيين يعانون من نقص حاد في الغذاء، ونسبة الوفيات تزداد كل شهر"!


مثال آخر على النعيم الذي يعيش فيه العراقيون في ظل الاحتلال الأميركي، جاء على لسان متحدث عسكري باسم قوات الاحتلال الأميركي في العراق اللفتنانت كولونيل جاي روديسيل، الذي قال إن القوات الأميركية تحتجز حاليا    (1/4/2005) حوالي 11 ألفا من السجناء العراقيين، وهو يمثل زيادة كبيرة عن ما كان عليه الأمر في الخريف الماضي.

وقد ذكرت منظمة "هيومان رايتس" لحقوق الإنسان، التي تتخذ من نيويورك مقرا لها، أن أحوال حقوق الإنسان سيئة وأن الانتهاكات مستمرة . وأعرب روديسيل عن استعداد قواته لزيادة عدد المنشآت المستعملة كسجون إذا لزم الأمر، فقال: "لسنا الآن مثقلين بأعباء تلك الأعداد للمعتقلين. لدينا القدرة على زيادة منشآتنا إذا دعت الحاجة"!


المضحك في زيارة رامسفيلد الأخيرة للعراق ورد على لسانه في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع الجعفري، وذلك عندما حذره من أن يصل الفساد إلى الحكومة التي سيشكلها الأخير، وأن على هذه الحكومة أن تحارب الفساد.

 رامسفيلد يقول ذلك وهو ذاته متهم بالفساد، وشركة هاليبرتون مثل واحد على ذلك.


هل هو الجوع والفقر والقهر والمرض وسوء التغذية ما يعنيه النعيم الأميركي إذن؟

 وهل السجن والاعتقال هما الحرية التي تنشرها قوات الاحتلال الأميركية في العراق؟!

وهل الزيارات السرية المفاجئة التي يقوم بها رامسفيلد والمسؤولون الأميركيون هي الدليل على أن الأمور تتقدم في العراق؟!

 إن ما يجري في العراق منذ عامين ليس غير اللامعقول نفسه، وما أسهل أن يفهم مسرح العبث الذي انتشر بعد الحرب العالمية الثانية على أن يفهم العبث الحالي الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب على العراق!!

التعليق