الحركة الإسلامية والمضمون الاجتماعي الاردني

تم نشره في الاثنين 18 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً


الموقف الأخير للحركة الإسلامية في الأردن من الحكومة الحالية، أعاد الى الواجهة الحديث التقليدي حول مدى تمثل والتزام هذه الحركة بالمضمون الاجتماعي الأردني، ومدى ارتباطها العضوي بالمجتمع السياسي المحلي، مما يعني فتح ملف إصلاح التنظيمات السياسية الكبرى ودمجها في حركة الإصلاح السياسي، لكي تنال حركة الإصلاح مختلف الفاعلين السياسيين على الساحة الأردنية.

ذ
إن الإصلاح وبناء مجتمع سياسي فاعل يتفق على القيم الكبرى للحياة العامة لا يتوقف على أداء مؤسسات الدولة وسلوك النظام السياسي، بل يتعدى ذلك الى إصلاح خطاب التنظيمات السياسية وممارستها، وفي مقدمة الأولويات في هذا الشأن أن تمثل هذه التنظيمات المجتمع الذي تنتمي إليه، وان تبقى محافظة على مسافة معقولة من الانشغال السياسي المحلي. فلقد انهت رياح التحولات السياسية الدولية والاقليمية الزمن الذي كانت فيه التنظيمات السياسية تستمد شرعيتها من الخارج، ولم يعد الخطاب العابر للحدود يجد بيئات يزدهر فيها اذا لم يقترن بممارسة محلية تحمل المضمون الاجتماعي وتؤكده سياسيا. 


فالمنظور التنموي للحياة السياسية يقتضي بان يرتبط الخطاب المهيمن بالممارسة والسلوك على الأرض، وان تشكل الحركات السياسية روافع حقيقية لمطالب الناس وحاجاتهم، وتعبر بصدق عن واقعهم الاجتماعي. لقد شهد العالم منذ عقد ونصف تحولات واسعة، ربما انعكست أوسع تأثيراتها واعمقها في المنطقة العربية وفي الحياة السياسية العربية بالتحديد، في حين أن الاستجابة لهذه التحولات ما تزال متفاوتة بين طرف وآخر، وهنا نتساءل، هل الخطاب السياسي والسلوك التنظيمي للحركات الإسلامية المعلن للمسلمين في بيشاور وكابول وحارات القاهرة، او حتى في غزة وخان يونس هو ما ينفع الناس هنا في عمان والزرقاء واربد؟ وهل يقرأ الإسلاميون في الأردن جيدا تحولات الحركات الإسلامية ليس في تركيا او الجزائر فحسب، بل واخيرا في فلسطين؟. 


كل الأدبيات العلمية التي تناولت ظهور الإسلام السياسي المعاصر كانت تعزو انتشار هذه الظاهرة الى الأرياف وهوامش المدن، ثم تنتقل الى الطبقة الوسطى من الطلاب والموظفين واحيانا بعض التجار، إلا في الأردن فقد بقيت الحركة السياسية الإسلامية رهينة التمركز والاحتكار النخبوي؛ لأنها لم توطن خطابها محلياً، بل بقيت خاضعة الى الخطاب الاممي الذي لم يشتبك في يوم ما بشكل حقيقي وواضح مع خصوصية الداخل الأردني، على الرغم مما توصف به هذه الحركة من تفرد على صعيد ثنائية الهوية التي عانت منها التنظيمات السياسية الأردنية في مرحلة اللحاق بالتنظيمات والفصائل الفلسطينية، بل ربما حدث العكس، فبينما انتجت الساحات الخارجية تنظيمات تابعة لها على الساحة الأردنية، اسهمت الحركة الاسلامية على الساحة الاردنية في إنتاج تنظيمات إسلامية متأخرة على ساحة الداخل الفلسطيني.


الواقع أن الحركة الإسلامية بقيت تملك حيوية استثمار التحركات الشعبية دون أن تقدم أي تدخل عضوي لصالحها، بل طالما نأت بنفسها عن التحركات الشعبية الأردنية، ومثال ذلك التحركات الشعبية التي تكررت في محافظات الجنوب منذ عام 1989، على الرغم مما كانت تحمله من مضامين هي في صلب خطاب الإسلاميين وشعاراتهم، وفي مقدمتها محاربة الفساد ووقف رفع الأسعار وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإلغاء الأحكام العرفية، إلا أن الإسلاميين كانوا دائما يأخذون مسافة بعيدة من هذه التحركات، في حين أجادوا استثمارها كما حدث في مشاركتهم في الحكومة الأولى بعد أحداث 1989. وكذا الأمر يمكن أن يلاحظ في أداء ومواقف الإسلاميين في البرلمان الأردني على مدى عقد ونصف.

 ولا بد من المكاشفة بان البرنامج الذي يطرحه الإسلاميون في الأردن ليس أردنيا، بل برنامج اممي يصلح في ماليزيا او السودان او أي مكان آخر في العالم يوجد فيه مسلمون، حيث أن ضعف البرنامج المجتمعي المحلي يقابل بالانشداد نحو الشعارات السياسية المنسوخة عن سياق خارجي، وبدل المضمون المجتمعي الداخلي بأبعاده التنموية تزدهر الثقافات الشفوية التي تكرس مظاهر التطرف الاجتماعي. 


لم تلتفت الحركة الإسلامية الى المحافظات الأردنية بشكل جدي في الشمال والجنوب، وبقيت جٌل أنشطتها وفعالياتها وحتى ثقلها السياسي يتمركز في عمان وما حولها، ولم تبادر في يوم الى طرح مبادرات وطنية محلية تشبك مع هموم الناس وأحوالهم، على الرغم من كون هذه الحركة تسيطر على مؤسسات تملك، ومنذ سنوات عديدة، مقومات اقتصادية عملاقة وأرصدة ضخمة بالمقارنة مع بيئة الاقتصاد الوطني.

 وعلى سبيل المثال، فبرغم سيطرتهم على النقابات المهنية، إلا انهم لم يسهموا بشكل جدي في قيادة عملية التنمية او بطرح مبادرات حقيقية، في مجالات مثل محاربة الفقر او تطوير القوى البشرية، او تشغيل الأيدي العاملة او تحديث الريف الأردني، بل إن معظم المؤسسات التي يمتلكونها بقيت تخضع لقوانين لعبة رأس المال التي لم تتح ولو هامشاً صغيراً للبعد المجتمعي.


إن الحركة الإسلامية الأردنية بأمس الحاجة اليوم الى ممارسة نقد ذاتي، والعودة الى الأولويات الوطنية الأردنية، وقراءة الخرائط الجديدة ومنطق تحولات الأحداث قبل أن تكتشف ان المحيط من حولها ومعالم الطرق والدروب قد تغيرت من دونها. وهذا يتطلب جرأة سياسية وتنظيمية ويتطلب إعادة التمأسس وطنيا. والعودة الى الداخل تعني قبل كل شيء ادوات ومناهج عمل جديدة تؤمن بالديمقراطية المنتمية قبل كل شيء وليس ديمقراطية الفرص السياسية.


كاتب أردني
Basimtwissi@hotmail.com

التعليق