البحث العلمي.. ضرورة وطنية ملحة

تم نشره في السبت 16 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

    أعود الى الكتابة مرة اخرى بعد توقف دام عدة أشهر وأتوجه هذه المرة صوب (الغد) التي أثبتت خلال فترة قصيرة قدرتها الخلاقة على التميز والجودة والابداع, تمضي خطى الكلمات في خاطري نحو الغد التي استطاعت أن تؤصل للغة مشتركة بينها وبين القارئ ولتتمكن بالتالي من مخاطبة نطاق الوعي في ادراكه لتحوز بعدها بالفوز بجائزة الصدقية التي نبحث عنها, عبر هذا الفيض الاعلامي القادم اليها من جهات الكرة الأرضية كلها على مدار الساعة .

     ولأنني مسكون بهاجس حب الأردن الوطن ولأنني منذور بعشق أمة اتحمس همومها وأوجاعها أكتب أول ما أكتب- ان وجدت رؤى خاطري مساحة للنشر في صحيفتنا الغد - عن قضية شغلت بالي ولا تزال حتى اللحظة وهي قضية البحث العلمي كضرورة ملحة في هذه اللحظة التاريخية التي تعيشها أمتنا.

     مقالة عن البحث العلمي في الأردن نشرتها الغد قبل فترة وجيزة أثارت في نفسي الرغبة في خوض غمار هذا الميدان وطرح التساؤلات . هل مجرد اعلامنا عن نظريات الاصلاح السياسي (على ضرورتها وأهميتها القصوى ) واقامة الديمقراطية وانتشار مؤسسات المجتمع المدني تكفي لوقف حالة التردي التي تعيشها الأمة? وهل يكفي ذلك لوقف التراجعات والفشل ومعالجة جفاف الفكر وقحط الخيال وانتشال الشخصية العربية الضائعة التي نحياها بدون رؤية حضارية وبلا ابداع ? لا يكفي الادراك أو الاعلان ولا بد من انطلاقة حضارية حقيقية في شتى المجالات توصلنا الى الهدف وتأخذ بيدنا الى الغاية المرجوة.

    لقد أقلع القرن الجديد بنا والدنيا من حولنا تنفجر علما ومعرفة وتغييرا, وتضيق المسافات وتقصر في الوقت الذي ما زال النظام العربي والعقل العربي في صلبه يتعلم النصوص ويحفظها ويرددها بدون وعي لأساسيات البحث والمعرفة وتفهم للغة العصر ودون تعلم كيف يكون الابداع والاختراع والاستيعاب لأفضل ما وصلت اليه المعرفة الانسانية .

    كتابنا المدرسي لا زال كتابا تلقينيا يحتوي على استنهاض الوعي عند ابنائنا وبناتنا ولا يحرض على البحث واعمال العقل من أجل الاكتشاف وبناء الفرضيات للوصول الى الحقائق, وكذلك هو كتابنا الجامعي لا يختلف كثيرا إلا في الندر اليسير عن الكتاب المدرسي, فعلاقة الطالب به في الأعم الأغلب ومن خلال مشاهداتي الكثيرة في أكثر من جامعة هي سهولة المادة التخصصية او صعوبتها في زيادة المعدل التراكمي عند التخرج بديلا عن التراكم المعرفي الذي يفجر طاقات أجيالنا العربية الابداعية ويحفزها علي البحث الدائم اثناء الدراسة وبعد التخرج .

     لقد دخلنا القرن الحادي والعشرين ونحن لا نزال نتعلم المادة العلمية على طريقة حفظ الأناشيد والمعلقات بينما الدنيا من حولنا تبدع وتخترع فكم هي عدد المعاهد أو الجامعات في بلادنا العربية التي تتواجد بها مراكز البحث العلمي أو الفكري مع دخولنا لقرن العولمة والتفجر العلمي والمعرفي ؟ كم هم عدد الباحثين على امتداد مساحة الخارطة العربية الذين يواصلون الليل مع النهار مستفيدين مما توفره لهم ثورة المعلومات لتقديم بحوث علمية جادة عن الكم الهائل من القضايا التي تمنع تقدمنا ومسيرتنا مع العصر بدءا من الأمية الأبجدية والثقافية والعلمية والسياسية وانتهاء بالمعوقات التي حالت دون تحقيق مشروعنا الحضاري رغم امتلاكنا لكل القدرات المادية والبشرية لترجمة هذا الطموح الحلم على أرض الواقع والقائمة تطول في ميادين تخلفنا عن اللحاق بحركة الزمن وايقاعها.

     لقد حاربنا اسرائيل نصف قرن من الزمان بتجاهل تركيبتها الاجتماعية والثقافية والدينية (باستثناء بعض الدراسات التي قامت بها بعض المراكز العربية ومنا على سبيل الاشادة والتنويه مؤسسة الدراسات الفلسطينية). أليس من المحزن والمرعب الا تنشئ جامعاتنا العربية إلا مؤخرا مراكز للدراسات اليهودية والعبرية ألا يشكل صدمة لنا انفاق الولايات المتحدة الاميركية خلال عامين فقط اكثر من 20 مليون دولار على حوالي 244 بحثا اميركيا عن الحياة في مصر شملت مجالات العلوم والزراعة والاقتصاد والبيئة والطاقة والدراسات الاجتماعية والسياسية ؟

     شيء محزن لكلمتهم بتقدم الامة ونهضتها ان يكون حجم انفاقنا على البحث العلمي لا يتجاوز 2% من دخلنا القومي في الوقت الذي تنفق فيه اسرائيل اكثر من 65% من دخلها العام . لماذا نحارب البحث العلمي في بلادنا ولماذا تنفق الملايين على برامج التسطيح والتجهيل ومخاطبة الغرائز في العديد من الفضائيات العربية ونبخل حتى بالقليل على مراكز البحث والتي فهيا يتقرر مستقبلنا واستحقاق قبولنا مع الأمم التي يشار الى انجازها في مسيرة الحضارة الانسانية ان البحث العلمي من صميم تراثنا وتاريخنا وقد دعينا للتفكير في خلق السماوات والارض وما بينهما وللمضي الى أبعد مدى للكشف عن الكنوز والخبوءة في هذا العالم الواسع .

     لقد قرأ علماؤنا في اللغة والرياضيات والطب والفلك والفلسفة ظواهر الكون ووصفوها وحللوها واستخرجوا قوانينها في وقت الذي كانت فيه اوروبا لا تعرف هذه الظواهر ولا تدرسها فكنا مبدعين وسطعت شمسنا على الانسانية ويحدثنا التاريخ كيف كان يرحل الباحث في طول البلاد وعرضها ليسأل مرجعا سؤالا مدققا في صحة ما يروى عنه ثم يعود أدراجه من حيث أتى ثم ضاع البحث وتراجع الاهتمام به وأغلقت أبواب المعرفة والاختبار وافلسنا لقد بدأت بعض الاشارات المضيئة حول الاهتمام لهذا البعد الحضاري في بعض الاقطار العربية , وعلى اهميتها فانها لا تكفي ولا تحقق جزءا من الهدف الكبير لا بد من ولادة فكر بحثي علمي يبدأ من خلال الحوار في المنتديات الفكرية وينمو عبر جهود فردية ومبادرات خاصة تمولها مؤسسات وشركات ونقابات وجامعات واثرياء عرب مرورا بالمؤسسات الرسمية والاقليمية وانتهاء بتأصيل هذا الفكر في وعي الأمة والقوى الفاعلة المدركة فيها لدوره وأهميته .

     فلتبادر الجامعة العربية الى دعوة كل العقول العربية في داخل كل العقول العربية في داخل أقطار الأمة وخارجها الى مؤتمر قومي شامل يكون البحث العلمي محور الاساس فيه, فهذه العقول الخلاقة المبدعة هي القادرة على نقلنا من حالة التردي التي نعيشها اذا ما تحررت من كل المحبطات الادارية والاجتماعية والنفسية والضغوط السياسية والاقتصادية وهي القادرة أيضا عبر حرية الفكر البحثي الى نقل أجيالنا الى المسار الحقيقي الواعد المليء بالثقة والايمان والإبداع.

التعليق