صناعة الحياة

تم نشره في السبت 16 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

في زحمة حملة الدفاع عن النفس من قبل المسلمين، هيئات وعلماء وحكومات، من تهم الارهاب والتطرف، تغيب بعض المفاهيم الاصيلة في الاسلام، والتي تعبر عن مفهومه الحقيقي، ورسالته التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبخاصة فيما يتعلق بالموت والحياة ومكانة كل منهما في الفكر والفقه والعقيدة على حد سواء. واستذكر في هذا المجال تعليقاً عميقاً كان يقول به د. اسحق الفرحان، احد قادة ومفكري العمل الاسلامي في الاردن، عندما كان يسمع هتاف الشباب "الموت في سبيل الله اسمى امانينا"، حينها كان يقول: "الحياة في سبيل الله اسمى امانينا". ذلك ان الحياة واعمار الارض، وصناعة الأمن والاستقرار، هي الاصل، اما القتال والجهاد فهو حالة اضطرارية تلجأ لها الدولة حينما تضيع حقوقها او تنتهك سيادتها. وربما لا نتوقف طويلاً عند الغاية التي خلق من اجلها ادم، واخبر عنها الملائكة قبل خلقه، حين قال تعالى "إني جاعل في الأرض خليفة". فخلافة الله واعمار الارض وصناعة الحياة هي غاية وجود الانسان.

وحتى الجهاد والقتال الذي يمثل حالة اضطرارية، فإن احكامهما استثنائية، اي عندما تكون لهما ضرورة من احتلال او اذلال او حجر على حق الانسان في اختيار دينه. وبشكل اكثر وضوحاً، فإن الجهاد جاء ليعيد الحياة الى مسارها السليم، وليمنع كل المعوقات التي تحول دون ان يمارس الانسان حقوقه، او تمنعه من اداء دوره في البناء واعمار الارض. وحتى اجر الشهيد، الذي هو من اكرم البشر بعد الانبياء، هو حياة دائمة عند الله تعالى، ونردد جميعاً الاية الكريمة "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتاً بل احياء عند ربهم يرزقون"، اي انهم اخذوا اجر التضحية ليس موتاً بل حياة الخلود والنعيم. وكذلك نسمع ما ورد من اثار الصحابة الكرام "اطلبوا الموت توهب لكم الحياة". فالجهاد وفق اصوله واحكامه وضروراته، يعطي الحياة للامة ويجعلها قادرة على امتلاك القدرة على الاعمار والبناء والتنمية والعطاء. انها اشكال من صناعة الحياة على رأسها الجهاد. ولهذا فالأصل هو السعي للحياة، فإذا طرأت عوائق تمنع هذا جاء اللجوء للجهاد الذي يمثل استثناء، وهو ليس اكثر من وسيلة من وسائل اعمار الارض، لكن الهدف والغاية من الخلق هو خلافة الله في الارض والقيام بالعبادة بمفهومها الشامل، الذي يعني الايجابية في العمل. وحتى الجهاد الذي يصنف في فروض الكفاية، فقد تقدمت عليه اشكال الحياة. إذ منع الرسول صحابياً من الجهاد ليقوم برعاية امه، لان رعاية الام حياة، وجهاد الكفاية اقل درجة، فالاولوية دائماً لصناعة الحياة والبناء. وحين نقرأ وصايا الخلفاء الراشدين للجيوش فإنها تحظر القيام بما ينافى الحياة، من قطع للاشجار وقتل للحيوانات او ايذاء لعابد في صومعته. فلا حياة دون حرية للعابد، حتى وان كان غير مسلم، ولا حياة دون عناصر البيئة من اشجار وحيوانات. وحتى ما قبل الحرب، فإن الاولوية للخيارات السلمية من صلح وتوافق، فيما السيف اخر الحلول. ان الدين الذي يوصى نبيه اتباعه بالعمل حتى قيام الساعة، وان يزرع احدنا شجرة بيده حتى لو قامت الساعة عليه، هذا الدين ليس لصناعة القتل وتصدير الموت. الدين الذي دخل في شرعته الجنة من سقى كلباً في الصحراء، ودخلت النار من حبست قطة عن الحياة والطعام والشراب، لا يمكنه ان يشرّع للقتل والموت. لكن الحياة السليمة لأي امة، بل للبرية، لا تستقيم مع الاحتلال والظلم والحقوق المغتصبة، وهذا ما جعل من الجهاد ذروة سنام الاسلام، لانه يؤمّن فرص الحياة الطبيعية للامة من الظلم والقتل والارهاب الحقيقي، فإذا ساد الاحتلال تلاشت قدرة الانسان على البناء، وتحول الى عبد للقمع وآلة للقتل، وهو ما يتناقض مع روح الاسلام في البناء وخلافة الله في الارض.

التعليق