حماس والجهاد.. إشكالية الانضمام للمنظمة

تم نشره في الجمعة 15 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

ضمن إطار التحولات الجديدة في مواقف حركات المقاومة في فلسطين في عهد رئيس السلطة الفلسطينية الجديد السيد محمود عباس، أعلنت حركتا حماس والجهاد الإسلامي عن موافقتهما على الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية، في إطار إعادة تشكيل وصياغة مؤسسات المنظمة على أسس جديدة.


وهذا الموقف بحد ذاته ليس جديدا، لا سيما بالنسبة لحركة حماس، التي خاضت حوارات مطولة ومعمقة منذ بدايات التسعينات مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات. ويمكن القول إن حركتي حماس والجهاد الإسلامي لم يكن لديهما موقف مبدئي ونهائي رافض للانضمام إلى المنظمة، بل كانت لهما مطالب وشروط تتعلق ببرنامجهما السياسي وتشكيلتهما التنظيمية.


وبعد اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، التي دفعت بالمقاومة الإسلامية الفلسطينية إلى مقدمة الأحداث، اشترطت حماس إدخال تعديلات على ميثاق منظمة التحرير، وعلى الأخص ما يتعلق بخطه العلماني، إضافة إلى المطالبة بنسبة 40% من مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني. إلا أن التنافس الكبير بين حركتي حماس وفتح، ورفض هذه الأخيرة التخلي عن استحواذها على الساحة السياسية الفلسطينية، دفع بالرئيس عرفات، في ذلك الوقت، إلى عدم التعامل مع تلك المطالب بالجدية الكافية، رغم أن مطلب حماس في التمثيل كان موقفا تفاوضيا أكثر منه شرطا.


من ناحية ثانية كانت حماس في مرحلة إثبات نفسها ودورها، ولذلك فقد آثرت في البداية عدم التشديد على مطلب الانضمام إلى منظمة التحرير، كما كانت رفضت الاندماج في القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، التي شكلتها الفصائل المنضوية في إطار المنظمة إثر اندلاع الانتفاضة الأولى.


وبعد سنوات من الانتفاضة والمقاومة، وجدت حركتا حماس والجهاد الإسلامي أنه آن الأوان لجني ثمار هذا البرنامج مع الاستمرار فيه كخط استراتيجي، ما مهد الطريق للتقدم المشروط للانضمام إلى المنظمة. إلا أن المفصل المهم في الموضوع هو ما تقول الحركتان إنهما لمستاه من الرئيس محمود عباس من جدية في التعامل مع هذه القضية، وموافقته على تشكيل لجنة تضم الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية لدراسة مطالب الحركتين وتمهيد الطريق لانضمامهما إلى المنظمة.


 ويرى مراقبون أن التحول الذي برز على الخط السياسي للحركتين المقاومتين، وموقفهما من التهدئة، وقبول حماس المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، كل ذلك شجع الرئيس الفلسطيني على اتخاذ خطوات من قبيل الموافقة على إعادة النظر في قانون الانتخاب، بحيث لا يشترط على المرشح للمجلس التشريعي الاعتراف باتفاق أوسلو. وربما أراد الرئيس عباس من ذلك السعي لتسييس الحركتين وتحويلهما إلى حزب سياسي، كما عبر أكثر من مرة، مع إدراكه أن تحقيق مثل هذا المطلب قد لا يكون سهلا في ظل تمسكهما بالمقاومة حتى دحر الاحتلال من كل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 كمرحلة أولى.


برغم ذلك، فإن انضمام الحركتين إلى المنظمة قد لا يكون بتلك السلاسة التي يتصورها البعض. فإضافة إلى الغموض الذي شاب تصريحات القيادي في حركة حماس محمود الزهار، التي أعلن فيها موافقة الحركة على الانضمام لمنظمة التحرير، يبرز رفض الحركة المشاركة في اجتماع القيادة الفلسطينية في غزة، وتبريرها ذلك بأنه تجاوز للصيغة التي تم الاتفاق عليها في حوارات القاهرة، مما يشير إلى محاولة إعادة الكرة إلى ملعب القيادة الفلسطينية، والتأكيد على شروط الانضمام. 


وتشترك حماس والجهاد الإسلامي في مطالب تعديل ميثاق المنظمة الذي حذفت منه الفقرات التي تدعو للكفاح المسلح والعداء لإسرائيل، كما الآلية التي ستحدد نسب المشاركين في المنظمة. وفيما تعتبر حركة الجهاد الإسلامي المطلب الثاني أقل إلحاحا بالنسبة لها، بسبب صغر حجم وجودها الشعبي، ترى حماس بوجوب تناسب تمثيلها في المجلس الوطني مع ما حققته من نتائج في الانتخابات البلدية في قطاع غزة والضفة الغربية، والتي لم تقل عن 40% في الأخيرة فيما وصلت إلى 70% في القطاع.


 في المقابل، فإن حركة فتح التي يخضع الرئيس أبو مازن لقراراتها وتوجهاتها، وتستعد لنتائج الانتخابات التشريعية القادمة، ترى أن نتائج حماس في هذه الانتخابات ستتيح لها تخفيض النسبة التي ستحصل عليها منظمة التحرير، كما أن عدم تمتع حماس بتنظيم في الخارج، باستثناء ما تملكه من تعاطف شعبي، كل ذلك يشكل حجة قوية لمعارضي حصولها على نسبة كبيرة في المنظمة، خصوصا وان الانتخابات في الخارج قد يصعب إجراؤها لحسم هذا الجدل.


وفي ذات الإطار، يجادل البعض في مطالب الحركتين، مطالبين إياهما بالمشاركة بداية والعمل ضمن الأطر الديمقراطية في المنظمة لتغيير الميثاق، لاسيما وأنهما طالبتا بديمقراطية القرار في المنظمة.


أما بالنسبة للاعتراضات على بنود الميثاق الوطني الفلسطيني المعدل، فتبدو بمثابة معضلة حقيقية للقيادة الفلسطينية التي حصلت على الدعم الدولي بما قدمته من تعهدات بالالتزام بعملية التسوية السياسية. ويزيد من تعقيد الموضوع أن إسرائيل، وحكومة شارون تحديدا، ليست في وارد تجاوز قضايا بذلت الكثير لإنجازها، حتى لو تضمن ذلك مكاسب مأمولة بتسييس المقاومة الفلسطينية.


إن نجاح ترتيبات إدماج الفصيلين المقاومين في الهيكل القيادي الفلسطيني (والمنظمة جزء منه) يعتمد على عاملين: الأول اتفاق فلسطيني على مواقف ذات طابع استراتيجي أو تكتيكية بعيدة المدى في موضوعي المقاومة والعمل المشترك، وهذا ما لا يبدو أنه تحقق إلى الآن نتيجة رغبة السلطة الفلسطينية في إلزام الأطراف الآخرى بمواقفها بداية، ومن ثم تقديم بعض التنازلات إلى تلك الأطراف بقدر الزامها بمواقف السلطة، في المقابل يبدو أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي تستفيدان، حتى الآن، من مطالبتهما بالمشاركة الفاعلة في القرار الفلسطيني كفرصة لنيل استراحة المحارب.


 أما فيما يتعلق بالعامل الثاني، فيرتبط بالموقف الإسرائيلي الذي لم يلتزم بعملية تسوية حقيقية، ويقوم يومياً بتوجيه ضربات لها عبر العدوان على الفلسطينيين شعبا وأرضا ومقدسات، كما ويتحفظ على مشاركة المقاومة الفلسطينية الفاعلة في القرار السياسي الفلسطيني، ويطالب بدلا من ذلك بتفكيكها كما بدا واضحا من تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم في القاهرة.


 وفيما لا زالت قضية صياغة معادلة فلسطينية موحدة للصراع مع إسرائيل تواجه تباينات وانقسامات حادة بين التنظيمات الفلسطينية، فإن نجاح مسعى انضمام حماس والجهاد إلى المنظمة يظل مسألة مشكوكاً فيها، لاسيما في ضوء التنافس الحاد مع حركة فتح التي ترفض حتى الآن التنازل عن موقعها المركزي في صنع القرار الفلسطيني

التعليق