أعظم الريجانيين في الأمم المتحدة

تم نشره في الخميس 14 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

على حائط مكتبه بوزارة الخارجية الأمريكية يعلق جون بولتون، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الحد من التسلح، دمية هي عبارة عن عبوة ناسفة كتب عليها "لجون بولتون أعظم الريجانيين في العالم".

بولتون بلاشك، ومنذ بداية تاريخه المهني، هو من أشد الموالين للحزب الجمهوري، وللحركة الريجانية التي منحت فكر المحافظين الجدد زخما غير مسبوق في أدبيات الإدارة الأمريكية، مكنت حفنة من الأيديولوجيين من إدارة السياسة الأمريكية مثل الكابال او العصابة. لذلك لم يكن مستغربا ان يقع اختيار الرئيس الأمريكي جورج بوش على بولتون ليكون سفيرا لإدارته في الأمم المتحدة. ربما لم يثر ترشيح شخصية ما من الجدل مثل ما أثاره خبر ترشيح بولتون للمنصب، وهو جدل لم يأت من فراغ، وإنما لأن طرح اسم بولتون، الذي يعد أحد الوجوه الأساسية في دائرة المحافظين الجدد، أثار تساؤلات جدية عن طبيعة السياسة التي ستنتهجها إدارة الرئيس بوش خلال فترة الرئاسة الثانية، ليس حيال المؤسسة الدولية فحسب وإنما أيضا حيال العديد من القضايا الدولية التي تمثل فيها الأمم المتحدة ضلعا اساسيا.

وتذكرنا الجلسة الساخنة التي عقدها مجلس الشيوخ هذا الأسبوع لمناقشة ترشيح بولتون، بجلسة مماثلة كان بولتون أيضا المادة الخام لها حين طرح اسمه لشغل منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الحد من التسلح، إذ واجه حينها وقتا صعبا، ووافق المجلس بفارق ضئيل على ترشيحه بسبب انضمام بعض من صقور الديمقراطيين إلى الجمهوريين، أما هذه المرة فإن القراءة الأولية لجلسة الاستماع تكاد تجزم بأن جل الديمقراطيين لن يباركوا ترشح بولتون.

إن إلقاء نظرة على ماضي بولتون تكفي لمعرفة طبيعة الرسالة التي أرادت إدارة الرئيس بوش إرسالها إلى المجتمع الدولي عبر قرارها بترشيح بولتون. فقد انضم  بولتون إلى إدارة الرئيس رونالد ريجان في العام 1981، وكان وقتها عضواً في ما سمي بـ"محامي اليمين الجديد"، وكذلك عضواً في الفريق القانوني التابع للحزب الجمهوري. وقد قدم بولتون خدمات عديدة جعلت نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني يعلق ذات مرة بأن الناس تتساءل عن المنصب الذي يجب أن يشغله بولتون؟ "وانا اقول ان بولتون يجب أن يشغل المنصب الذي يريده". إلى هذا الحد وصل نفوذ بولتون داخل إدارة الرئيس بوش.

ومنذ إعلان ترشيح بولتون، تحاول إدارة الرئيس بوش تسويقه للرأي العام الأمريكي، قبل العالمي، على أنه شخصية قوية وناجزة. ولكن منذ بداية تاريخه المهني وبولتون يهاجم بشكل سافر المعاهدات الدولية، والمؤسسات ثنائية القطبية.

 وهو يؤمن بشكل قاطع بأن السياسة الخارجية الأمريكية لابد وأن تكون مبنية على القوة، وتسعى إلى تحقيق المصالح الأمريكية بمفهومها الضيق، من خلال المنظمات الدولية الواقعة تحت السيطرة الأمريكية، مثل الناتو أو التحالفات العسكرية التي تنجزها الولايات المتحدة مع دول أقل قوة وتكون فيها هي القوة المسيطرة. وفي فترة الرئاسة الأولى لبوش، عمل بولتون جاهدا على إفراغ كل المعاهدات الدولية من مضمونها حتى لا تمثل قيودا على ممارسة الولايات المتحدة لنفوذها في أي مكان وزمان أرتأت. وبالتالي، فقد قاد حملات عنيفة ضد المعاهدات الدولية من قبيل تلك المتعلقة بإزالة الألغام، واختبارات الأسلحة البيولوجية والنووية، وتجارة الأسلحة والصواريخ الدفاعية. بل واكتسب بولتون سمعته خلال الإدارة الأولى من كونه المسؤول عن تفكيك معاهدة حظر انتشار الصواريخ الباليستية، ورفضه الاعتراف بتوقيع الرئيس السابق بيل كلينتون على اتفاقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية. ويعتبر بولتون، في إحدى مقالاته في صحيفة وول ستريت جورنال ذات الخط اليميني، بأن "المعاهدات الدولية في بعدها العالمي ليست سوى قيود سياسية"، بل واعتبر أن توقيع الولايات المتحدة على معاهدة المحكمة الجنائية الدولية يجعل من الرئيس الأمريكي وفريق الأمن القومي والقادة العسكريين الأمريكيين، المسؤوليين عن السياسة الخارجية والدفاع، هم "أهداف محتملة لقضاة المحكمة".

وربما ما أثار الجدل بشأن ترشيح بولتون للأمم المتحدة بالذات هو أنه نفسه من أشد أعداء المنظمة الدولية، إذ لم يخف عبر تاريخه المهني محاولاته المستمرة لازدراء المنظمة الدولية والتقليل من دورها، ليصل به الحد في خطابه في الجمعية الفيدرالية للعالم الحر في العام 1994، إلى القول بأنه "لا يوجد شيء اسمه الأمم المتحدة، وأنه لو فقد مبنى الأمم المتحدة عشرة طوابق فإن ذلك لن يغير في الأمر شيئا"، ناهيك عن كونه من المؤمنين بأن على الولايات المتحدة أن تتوقف عن دفع المخصصات المالية للأمم المتحدة. وقد رد على كوفي أنان، حين اعتبر الأخير بأن الأمم المتحدة هي مصدر الشرعية الوحيد لاستخدام القوة، بأن على الولايات المتحدة أن ترفض هذا الأمر، وإلا فإن محاولاتها المستقبلية لاستخدام القوة سيتم تحجيمها.

إن بولتون شخص ذو آراء راديكالية، وهو يؤمن بفلسفة إنجاز السلام عبر القوة ليتقاطع في هذه النقطة مع ليكوديي البيت الأبيض. ولا غرابة، فبولتون نفسه عضو في مجلس إدارة (الجينسا)، وهي اختصار المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي الذي يعتبر المنظمة الأكثر تأثيرا فيما يخص العلاقات الإسرائيلية-الأمريكية. وقد عمل  بولتون دائما على بناء صلات استراتيحية بين جيش الولايات المتحدة والمتعاقدين التابعين لهذا الجيش وبين الجيش الإسرائيلي، وهذا هو الهدف الأساسي لمعظم أقطاب زمرة المحافظين الجدد. أما فيما يخص الشرق الأوسط، فإن بولتون هو أشد الصقور اليمينيين تطرفا فيما يتعلق بالقضايا الشرق أوسطية، وهو يتمتع بصلات وثيقة مع حزب الليكود والعديد من مراكز الفكر اليمينية، كما أن أحد أهم منجزات بولتون بمعيار المحافظين الجدد، هو الدور الأساسي الذي لعبه في الخارجية الأمريكية في أوائل التسعينات، والحملات الناجحة التي قادها من أجل إلغاء قرار الجمعية العمومية الذي يساوي الصهونية بالعنصرية، وبالتالي فقد "أزال أعظم وصمة أصابت سمعة المنظمة الدولية"! وهو أيضا عضو مؤسس لجماعة تطلق على نفسها اسم "اللجنة من اجل السلام والأمن في الخليج"، والتي أسسها مع مجموعة من المحافظين الجدد من أجل العمل على تغيير النظام في العراق، من خلال العمل مع أحمد جلبي ودوجلاس فايث وريتشارد بيرل ومايكل ليدن.

بعد الغزو الأمريكي للعراق قام بولتون بزيارة للقدس، والتقى ببنيامين نتنياهو وشارون لمناقشة الاستراتيجيات المتاحة لمنع انتشار الأسلحة النووية. وقبل الغزو بأيام في شباط 2003، أشار بولتون في تصريحات له، إلى أنه بعد تغيير النظام في العراق فإن الهدف التالي لإدارة الرئيس بوش سيكون التعاطي مع التهديدات القادمة من سوريا وإيران. ومن ثم، فقد كان من المروجين لفكرة امتلاك سورية لأسلحة دمار شامل. وبولتون لا يتمتع بيدين نظيفتين، إذ طالته اتهامات بالتورط في عمليات تبيض أموال في أكثر من مرة، لكنه كان ينجو في كل مرة. لكل ذلك، فإن موافقة مجلس الشيوخ على ترشيح بولتون تعني أياما عصيبة ستواجه المنظمة الدولية والعالم، لا سيما العالم العربي.

التعليق