انتهاك المقدسات الدينية في القدس قائم منذ 38 سنة

تم نشره في الثلاثاء 12 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

منذ أيام والقدس في عين العاصفة. المتطرفون اليهود يهدّدون باقتحام المسجد الأقصى، وصرخات الاحتجاج العربية والإسلامية تتعالى، وقوّات الأمن الإسرائيلية تدّعي الحرص على حماية المقدسات الإسلامية، لا بل هي بالفعل حالت دون ذلك "الاقتحام" يوم الأحد الماضي، فمنعت اليهود والعرب من الوصول للمسجد.

كم هو مؤلم أن تتحوّل القضايا الكبرى إلى إجراءات شكلية، مفرغة من كل مضمون، ومفرغة من الروح، ومعزولة عن أي هدف. وأخشى أن لا تكون هذه الزوبعة سوى مسرحية لذرّ الرماد في العيون. فهل يعقل أن تكون إسرائيل حريصة بالفعل على حماية الحرم الشريف والمسجد الأقصى حرصاً على مشاعر العرب والمسلمين، وحفاظاً على قدسية المكان الإسلامية الدينية، بينما هي، التي احتلت القدس منذ عام 1967؛ ولم تتعامل معها كأرضٍ محتلة، بل ضمتها إلى إسرائيل واعتبرتها، ولا تزال تعتبرها منذ ذلك الوقت العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل؟

ليس هذا فقط. كنا نعتقد أن إسرائيل سوف تستثني من مطامعها في القدس الأماكن الإسلامية المقدّسة عندما يحين الوقت للبحث في أية تسوية، إلى أن تبيّن في كامب دافيد عام 2000 في لقاء القمة الفلسطيني الإسرائيلي أن مطامع إسرائيل تتركز بصورة خاصّة في الحرم الشريف. إذن ليس هم "المتطرفون" الذين يهدّدون حرمة الحرم الشريف وباحة المسجد الأقصى، بل هم الذين يدعون الحرص على حمايته من المتطرفين. كم تساءلنا عما إذا كان في إسرائيل متطرفون ومعتدلون وكم أثبتت الأحداث أنّ في إسرائيل نهج واحد وهو نهج التطرف المطلق.

ليس من المستبعد أن يكون الإجراء الإسرائيلي بكبح الانتهاك في هذا الوقت بالذات هو الحرص على تحاشي الأسوأ والخشية من انفجار الأوضاع كما حدث عندما انتهك شارون بنفسه ساحة المسجد الأقصى وأشعل الانتفاضة. ولكن الحقيقة التي يجدر عدم تجاهلها هي أن القدس أرض محتلة منذ عام 1967 والأماكن المقدسة فيها، الإسلامية منها والمسيحية، منتهكة قدسيتها بهذا الاحتلال، وعلى الذين يصرخون الآن للتعبير عن ألمهم أن يدركوا أن واجب تحرير الأرض المحتلة، المقدّسة منها وغير المقدّسة، لا يقتصر على ردود الفعل الموسمية الغاضبة عند وقوع المزيد من الانتهاك، بقدر ما يجب أن يكون موقفاً ثابتاً رافضاً للاحتلال حتى لو لم تقع مثل هذه الانتهاكات الإضافية المتكرّرة.

لقد مرّ الأحد المشؤوم دون أن يتمكن غلاة اليهود من انتهاك حرمة المكان المقدس. ولا فضل في ذلك لسلطات الاحتلال التي منعت ذلك لأنها أي تلك السلطات هي منتهكة وهي محتلة وهي معتدية ولا فضل للمعتدي في منع المزيد من العدوان ولا للمنتهك في منع المزيد من الانتهاك.

أما فيما يتعلق بالجانب العربي والفلسطيني والإسلامي، فإن على الجميع مِن مَن تعالت صرخاتهم في الأيام الأخيرة ومِن مَن زحفوا على المدينة المقدّسة ليفدوها بأرواحهم من خطر يهدّدها، عليهم أن يتذكروا أيضاً أن المدينة ليس مهدّدة فقط بقدر ما هي محتلّة ومضمومة لإسرائيل ومعلنة مع كل مقدّساتها عاصمة أبديّة موحدة لإسرائيل. فإذا بقي الوضع على حاله، فقد يتمكن المتطرفون في مرة لاحقة أن يحققوا ما عجزوا عن تحقيقه هذه المرّة. وأنهم في المرات اللاحقة سيحظون بمساعدة قوات الأمن الإسرائيلية وحمايتها لا بمعارضتها، فالهدف في الجانب الإسرائيلي واحد، وإن تنوعت طرق الوصول إليه. المطلوب إذن رفض الاحتلال والعمل على إنهائه وليس الاكتفاء برفض مضاعفاته.

من الأخطاء التي ارتكبتها الدبلوماسية العربية هي تكبير خطايا الاحتلال بتأكيد المكانة الدينية لمدينة القدس. والخطأ في ذلك هو أن خطايا الاحتلال لا تحتاج لتكبير فهي كبيرة وفظيعة ومرفوضة أصلاً. أما الخطأ في التدليل على ضرورة تحرير القدس لأجل مكانتها الدينية فهو أن تحرير القدس كأيّة بقعة محتلة أخرى في فلسطين أو في سوريا أو في لبنان واجب مطلق لا حاجة لتبريره.

هل سيكون تحرير القدس أقل أهمية وأقل ضرورة لو لم تكن مدينة مقدّسة؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل يجوز التهاون في تحرير الأراضي المحتلة "غير المقدسة"؟

التعليق