يوحنا بولس رجل الحداثة

تم نشره في الجمعة 8 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

لم تكن وفاة البابا يوحنا بولس الثاني فجائية، ولسوف يبادر كل من يظن أنه لديه ما يستحق أن يدلي به إلى إصدار الأحكام والتعليق على التأثير الهائل الذي كان لذلك الرجل على العالم المعاصر. وقبل أن نتعرض بالشرح والتفسير لأحد الجوانب الأقل شهرة من تعاليمه، فلابد ان نؤكد أولاً أن أحد التعليقات التي نستمع إليها على نحو متكرر الآن تستند إما إلى الغباء أو الافتقار إلى الفهم الواضح لهوية الكنيسة الكاثوليكية: إن اتهام البابا بأنه كان من المحافظين محض هراء.

مما لا شك فيه أن البابا يوحنا بولس الثاني كان محافظاً حين يتعلق الأمر بالعقيدة الكاثوليكية، لكن مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية مبنية على الوصايا العشر وعلى عقائد غير قابلة للتغيير. ولا يجوز لنا ان نعتبر الصدق والإخلاص في التعامل مع ما يمثل حجر الأساس بالنسبة لتعاليم الكنيسة من قبيل المحافظة.

ومن ناحية أخرى، فلقد نُـعِتَ يوحنا بولس الثاني بأنه "محافظ" لأنه كان ضد الإجهاض وبعض الأفكار الأخرى التقدمية. ولكن إن كنت تريد بابا يناصر الإجهاض فلابد وأنك تبحث عن كنيسة مختلفة. هناك بعض الأمور وبعض القيم التي تشكل إيمان المرء وعضويته في الكنيسة الكاثوليكية، وهذه القيم ليست محافظة أو تحررية أو تقدمية، بل إنها جوهرية، وحتمية، وغير قابلة للتغيير.

لقد كرس يوحنا بولس الثاني جهوده لإنجاز مهمة محددة خلال فترة ولايته كبابا والتي دامت ما يقرب من 27 عاماً. وكانت تلك المهمة تتلخص في استكمال التغييرات التي أدخلت على تعاليم وسلوكيات الكنيسة الكاثوليكية والتي بدأها مجلس الفاتيكان الثاني منذ ما يزيد على أربعين عاماً. قبل ذلك، كانت الكنيسة الكاثوليكية قد فقدت ما يقرب من قرنين من الزمان لأنها رفضت الاعتراف بأن العالم قد تغير، وأن القضايا الاجتماعية والاقتصادية صارت من بين أكثر القضايا أهمية، وأن عصر التحديث قد بدأ بالفعل.

ولم تستسلم الكنيسة للتغير إلا بعد انعقاد مجلس الفاتيكان الثاني، ولقد كان تأثير يوحنا بولس الثاني هائلاً. كان أحد الأسئلة التي عجزت الكنيسة عن الإجابة عنها على نحو مرضٍ لما يقرب من ثلاثة قرون يتعلق بموقفها من الاقتصاد والمجتمع.

ولقد حاولت الكنيسة بكل ما في وسعها أن تتجنب الموافقة الصريحة على الرأسمالية. وبعد أن أعلن ليو الثالث عشر للمرة الأولى ـ في منشوره البابوي الشهير والذي عُـرِفَ بـِ"ريروم نوفاريوم" (Rerum Novarum) في عام 1891 ـ عن إقراره بوجود ما يسمى بطبقة العمال وبوجود بعض المشاكل الاجتماعية الخطيرة، حاول بايوس الحادي عشر في منشور بابوي آخر أصدره في عام 1931 باسم "كوادروجيزيمو آنو" (Quadrogesimo Anno) أن يبين للناس التوجه الاقتصادي الذي يتماشى مع التعاليم الإيمانية، فاقترح نظاماً شركاتياً، ثم تحدث بعض أتباعه عن "طريق ثالث" بين الرأسمالية والاشتراكية. وكانت الدولة الوحيدة التي تمكنت من تطبيق هذه الآليات الاقتصادية ببعض النجاح، على الرغم مما أحاط بذلك النجاح من شكوك شديدة، هي البرتغال تحت حكم سالازار.

وبعد مرور مائة عام على وفاة ليو الثالث عشر حين أصدر يوحنا بولس الثاني منشوره البابوي بعنوان "سينتيزيموس آنوس" (Centesimus Annus) لم يتوقع أحد أن توافق الكنيسة للمرة الأولى في التاريخ على اقتصاد السوق الحر والرأسمالية. لكن كلمات البابا كانت واضحة ولم تدع مجالاً لأي لبس: "مما يبدو على مستوى الدول الفردية وعلى مستوى العلاقات الدولية، أن السوق الحرة هي الأداة الأكثر كفاءة فيما يتصل باستغلال الموارد والاستجابة الفعّالة لاحتياجات الناس. لكن هذا يصدق فقط على الاحتياجات "المبررة مالياً" إلى الحد الذي يجعلها موقوفة على القوة الشرائية، كما يصدق على تلك الموارد "الصالحة للتسويق" إلى الحد الذي يجعلها قادرة على تحصيل السعر المرضي". لكن البابا أضاف: "ولكن هناك العديد من الاحتياجات الإنسانية التي لا تجد لنفسها مكاناً في السوق".

كما تضمن المنشور البابوي تصريحاً أساسياً يتعلق بفكرة الربح: "تعترف الكنيسة بالدور المشروع الذي يلعبه الربح كمؤشر لنجاح تجارة ما. فحين تحقق شركة ما ربحاً، فهذا يعني أنها نجحت في توظيف العوامل الإنتاجية على النحو المناسب، وفي إرضاء الاحتياجات الإنسانية ذات الصلة".

ومرة أخرى أضاف البابا إيضاحاً شرعياً: "لكن تحقيق الربح ليس هو المؤشر الوحيد الذي يدلل على وضع شركة ما. فقد تكون الحسابات المالية منضبطة ومرتبة، ومع ذلك فقد يتعرض الناس، الذين يشكلون أهم الأصول قيمة لدى الشركة، للإذلال والمهانة. وفضلاً عن تعارض هذا مع الأخلاق، فلسوف يكون له من المضاعفات ما يؤدي في النهاية إلى التأثير سلباً على الكفاءة الاقتصادية للشركة".

لم يكن يوحنا بولس الثاني تابعاً لليبرالية الجديدة، فهو لم ينظر إلى الأسواق والأرباح باعتبارها حلاً للمشاكل الإنسانية، بل كآليات لازمة لتحقيق غايات أخلاقية. والحقيقة أننا كثيراً ما ننسى أن عقلانية كل من آدم سميث وهيربرت سبنسر كانت شديدة الشبة بهذا النوع من التفكير. فقد كان كل منهما، وهما من أعظم المفكرين الذين روجوا لفكرة السوق الحرة ، فيلسوفاً أخلاقياً أيضاً.

فقد رأى المفكران، كما رأى يوحنا بولس الثاني، أن السوق الحرة والأرباح كانت مجرد وسائل لتحسين أحوال البشر. والحقيقة أن بعض أفكار هذين المفكرين كانت تتسم بالسذاجة أحياناً، كما ندرك حين نعرف أن سبنسر كان يتمنى أن يكون الأثرياء مواطنين صالحين على نحو شبه تلقائي، بحيث يجدون أن مساعدتهم لهؤلاء الذين لم يصادفوا النجاح مثلهم أمر طبيعي. وربما كان يوحنا بولس الثاني ساذجاً هو أيضاً، ولكن إلى حدٍ ما فقط.

يتوقف كل شيء على فهمنا للطبيعة البشرية. فإذا كنا نعتقد، كما تعتقد الكنيسة الكاثوليكية، أن البشر يحملون وزر الخطيئة الأصلية، لكن الوصول بهم إلى الكمال أمر ممكن؛ وأنهم قادرون على التمييز بين الخير والشر ويستطيعون الاختيار بينهما بما يتمتعون به من إرادة حرة، فإن الموافقة على السوق الحرة من هذا المنطلق ليست من السذاجة في شيء. لقد نجح يوحنا بولس الثاني بهذا المنشور البابوي وحده في تحريك تعاليم الكنيسة من العصور الوسطى إلى الحداثة.

لكن الحوار الذي بدأه البابا بشأن العلاقة بين السوق الحرة والمشاكل الأخلاقية يظل منقوصاً ولم ينته بعد. ذلك أن إزالة المفاسد التي تصاحب الرأسمالية وتسخيرها لصالح المجتمع والأخلاق الإنسانية ما زالت من الأمور التي تتطلب المزيد من الدراسة المتعمقة. لقد تحلى يوحنا بولس الثاني بالشجاعة الكافية لطرح الأسئلة الأساسية التي كان لابد من توجيهها. تُـرى هل نتمكن من مواصلة هذه المساعي في غياب زعامته وأسلوبه الحازم في حثنا على إيجاد الإجابات؟

مارسين كرويل عميد كلية التاريخ بجامعة وارسو، وصاحب كرسي إيراسموس بنفس الجامعة، وهو مدير نشر "ريس بوبليكا" الجريدة الفكرية الرائدة في بولندا.

التعليق