الديمقراطية الأميركية ولجان التحقيق

تم نشره في الأربعاء 6 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

يفترض بالديمقراطية الغربية, كما يشيع بيننا, ان تكون حريصة على الشفافية, والحرص على الشفافية يعني, من جهة, كشف الحقيقة ويقضي من جهة اخرى, بفضح كل تلاعب من وراء ظهر القانون والرأي العام سواء أتعلق الامر بقضايا امنية وسياسية ام بما يمس الاخلاق والفساد.

لكن ما يجري في الواقع العملي من النواحي الاخلاقية والسلوكية والفساد والافساد فان الديمقراطية لا تكشف من الجَمَلِ غير اذنه, وعلى فترات متطاولة ومتقطعة. اما فيما يتعلق بالقضايا الامنية والسياسية وهو ما يمس "الامن القومي" فقد اثبتت الديمقراطية الغربية عجزها عن المساس بتقصير صاحب المسؤولية الاولى ومَن حوله ممن يهمه تبرئتهم.

هذا ما تؤكده النتائج التي خرجت بها لجان التحقيق الرسمية التي شكلت في الكشف عن نواحي التقصير واحيانا التواطؤ, في اكبر قضية امنية مست الامن القومي الاميركي, الا وهي هجمات 11 ايلول/سبتمبر 2001 في واشنطن ونيويورك. فما كشف عنه ابقى المسؤولية في التقصير غامضة مع اقراره بحدوث التقصير.

الاخطر لم يقترب من المساس بمسؤولية البيت الابيض والبنتاغون ومجلس الامن القومي. وذلك بالرغم  من وجود تقرير يحذر من خطف طائرات واستخدامها لاغراض ارهابية, كان على طاولة الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش منذ شهر قبل ايلول المذكور. وهذ يعني انه درس جيدا من قبل مجلس الامن القومي قبل ارساله الى الرئيس. اما التبرير عن عدم اتخاذ اجراءات اضافية في المطارات, فقيل ان الرئيس لم يطلع على التقرير بسبب انشغالاته. لكن عندما تهاوت هذه الحجة الواهية انبرت كوندوليزا رايس المسؤولة عن مجلس الامن القومي في حينه لتقول ان ما من احد كان يمكن ان يتوقع استخدام طائرات مخطوفة كصواريخ لان المتوقع كان اخذ رهائن من اجل المقايضة مع سجناء لاطلاقهم. وبدهي ان هذه حجة اقبح من ذنب وترسم اكثر من سؤال مثل هل كانت ثمة رغبة في اختطاف رهائن؟

ومع ذلك لم تتطرق لجان التحقيق لتحديد مسؤولية مجلس الامن القومي والبيت الابيض. وهذا ما حدث كذلك مع اللجان التي تشكلت للتحقيق في فضائح التعذيب في "سجن ابوغريب" حيث حصرت المسؤولية ببضعة افراد من المراتب الدنيا واعفيت قيادة البنتاغون والبيت الابيض من اية مسؤولية عملية مباشرة او ادبية.

واليوم تكرر الامر نفسه مع اللجنة الرئاسية المكلفة من الرئيس جورج دبليو بوش في التحقيق في العجز عن تقدير حجم الترسانة النووية العراقية. وهي القضية التي اشغلت الرأي العام العالمي, ولها مساس مباشر بالشعب الاميركي. الامر الذي يفترض ان تتحلى الديمقراطية ازاءها بأعلى درجات الشفافية لتكشف الحقيقة وتحدد المسؤوليات.

لكن لجنة التحقيق التي اتهمها الديمقراطيون في الكونغرس بانها انتقيت على الصورة التي ارادها بوش وبلا اختراق واحد لحيادي او معارض, قدمت تقريرا من سبعمئة صفحة برأت الرئاسة والبنتاغون ووزارة الخارجية ومجلس الامن القومي من اية مسؤولية مركزة على حصرها في اجهزة الاستخبارات, وعلى التحديد "سي آي إيه". وبالطبع بعد ان كان الرئيس السابق لتلك الاجهزة قد استقال ومنحه بوش اعلى وسام تقديرا لجهوده ومكافأة على انجازاته؛ ومن ثم ليس هنالك من ترتب مسؤولية حتى على مسؤول مخابرات واحد. وهكذا يفلت من المحاسبة ليس كبار المسؤولين السياسيين وليس مدير الجهاز المتهم الاساسي والوحيد بالتقصير فحسب وانما ايضا مجرد مسؤول من الدرجة الثانية او الثالثة. وبكلمة لا احد مسؤول بعينه.

طبعا السبب يرجع الى عدم دفع الذين وجهت لجهازهم المسؤولية الى كشف الحقيقة. وهي ببساطة ان قرار اتهام العراق بامتلاك اسلحة الدمار الشامل جاء من القيادة السياسية وعلى التحديد من الرئيس ونائبه ووزير دفاعه ومستشارة الامن القومي. لان قرار الحرب اتخذ لاسباب لا علاقة لها بامتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل. والدليل ان ادارة بوش ما زالت مصرة على ان العدوان على العراق واحتلاله كان اجراء صحيحا بغض النظر عن عدم امتلاك العراق لاية اسلحة دمار شامل.

التقرير لم يتوقف عند اصرار الرئيس الاميركي على ادراج اتهام العراق بشراء اليورانيوم من النيجر بالرغم  من تأكده  بان  الخبر ملفق. هذا وقد اشار التقرير الى خطأ اعتماد معلومات آتية من مصادر استخبارية اجنبية لكن من دون ان يشير الى التقارير التي جاءت عن طريق الموساد او بريطانيا مثلا.

بكلمة ان من يتأمل بعمق في الكيفية التي تشكلت على اساسها لجنة التحقيق يتيقن من ان النتائج التي سوف يصل اليها قد حددت سلفا. اما السبعمئة صفحة فهي لذر الرماد في العيون لكي تبدو النتائج حصيلة جهد دقيق وواسع. ومن ثم فنحن امام فضيحة جديدة ليس لادارة بوش فحسب وانما ايضا للديمقراطية الاميركية ولما تدعيه من شفافية ولمن تنطلي عليهم اوهام الشفافية في الديمقرطية الغربية لا سيما عندما يتعلق الامر بالاستراتيجية والسياسات الخارجية وليس بالخلافات الداخلية بين الحزبين الرئيسيين او فيما بين مراكز القوى "قضية نيكسون مثلا".

وبهذه المناسبة فقد حمل الاسبوعان الماضيان فضيحتين  لتقريرين مشابهين احدهما مثلته لجنة تقصي الحقائق التي قررها مجلس الامن برئاسة نائب  قائد الشرطة الايرلندي بيتر فيتزجيرالد حول اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري. فمن يقرأ تقريرها يجده تقريرا لموقف سياسي معتمدا على "قول قيل" وليس على  حقائق ووثائق. وكان يفترض به ان يلقي الضوء على الجانب الفني واذا به يقول اقل القليل في هذا الجانب. اما نتائجه  فهي من النوع المعد سلفا. ويبدو ان القصد منه ان يكون تمهيدا لتشكيل لجنة تحقيق تصادر  السيادة اللبنانية وتحل مكانها. ومن ثم تعبث بما ستخرج به من نتائج, كما فعلت اللجنة الرئاسية الاميركية آنفة الذكر  لكن في اتجاه معاكس تماما بما يمس القرار السياسي وليس مجرد تقصير امني او استخباراتي.

هنا طبعا يجب التفريق بين ضرورة الكشف عن الايدي الآثمة التي قتلت الشهيد الحريري, والحاجة الى فضح التدخل الاميركي الفظ في الشأن الداخلي اللبناني, والاعتداء على سيادة الدولة. الامر الذي استوجب اظهار فضيحة تقرير بيتر فيتزجيرالد.

اما التقرير الثاني فالذي تناول فضيحة الامين العام كوفي انان "ابو كوجو" في صفقات "النفط مقابل الغذاء"  حيث ايضا برأ ساحته ودان ابنه كوجو. وهي معادلة غير ممكنة. والاهم يجب ان يتوقف كوفي انان ومساعدوه عن اعطاء الدروس للعرب المسلمين حول الديمقراطية والشفافية و"الحكم الصالح" بالرغم من حاجتنا الى ذلك. لكن ليس عن طريقهم.

التعليق