رجل التوافق

تم نشره في الثلاثاء 5 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

لو عاد اسحق رابين الى الحياة مرة اخرى لوجه سهام الحسد الى شارون من الدلال والحظوة والفرص التي تقدم له، ليس من معسكر السلام العربي والفلسطيني بل من قوى المقاومة الفلسطينية, فرابين الذي رأى بعض قادة السلام العربي بانه القائد الاسرائيلي الذي قدم الكثير لعملية السلام ووقع اتفاقية اوسلو مع منظمة التحرير ومعاهدة السلام مع الاردن, هو في نظر معسكر السلام ممن دفعوا حياتهم على ايدي المتطرفين الصهاينة الذين قتلوه لموقفه المتخاذل من المصالح الصهيونية.

لكن شارون تحمله قوى السلام والمقاومة العربية والفلسطينية على "كفوف الراحة", وقدمت له من الخدمات السياسية التي ساعدته على تثبيت حكومته وتحرير ما يريد، بما في ذلك الموازنة ومشروع الانسحاب الاحادي من غزة؛ وظهر امام الاسرائيليين بانه الزعيم الذي مارس كل اشكال القمع والقسوة بحق الشعب الفلسطيني, ومارس عمليات اغتيال للكثير من رموز المقاومة وعلى رأسهم الشيخ احمد ياسين ود. عبدالعزيز الرنتيسي, واقام الجدار العازل واعاد احتلال معظم مناطق السلطة وحاصر عرفات وهدم البيوت واجتاح المدن واقام المجازر, وفي نفس الوقت فانه حصل من السلطة الفلسطينية بقيادتها الجديدة ومعها قيادة حركة حماس والجهاد على شهادة بانه رجل يمكن ان يصنع السلام عبر ما يسمى اعلاميا بالتهدئة وعمليا بوقف العمل العسكري المقاوم, والفرصة اعطيت لشارون وليس لمحمود عباس, والذي حقق النصر السياسي هو شارون الذي استطاع في عهده ان يلجم المقاومة عبر العمل السياسي, تماما مثلما مارس القتل والقمع والاغتيالات.

وعلى قاعدة "نوم الذيب" حيث عين مغلقة واخرى مفتوحة فان العديد من القوى الشعبية العربية لا تتحدث عن الجوانب السلبية فيما يجري على الساحة الفلسطينية وتحديدا فيما يتعلق بالجهات المعارضة للتسوية والتي اتخذت موقفا معارضا ورافضا لعمليات التسوية والمعاهدات؛ لكنها تُغمض عيونها عن ان ما يجري دعم مباشر لعملية السلام واعطاء الفرصة لمحمود عباس ودعم للتسوية والمفاوضات وبخاصة ان ابومازن واضح في مساره الذي يرفض عسكرة الانتفاضة ويسعى لتفعيل المفاوضات وتطبيق الاتفاقات الموقعة.

والمفارقة المضحكة ان قوى المعارضة للتسوية عربيا وفلسطينيا تتحدث عن شارون باعتباره صاحب حاضر وتاريخ قمعي اجرامي بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية بينما توافق على اعطائه فرصة ليثبت حسن النوايا وتطبيق الاتفاقات واعادة الحقوق للشعب الفلسطيني؛ فأيهما شارون: ذلك الذي نصرح بعدوانيته ام الذي نقدمه للشعوب باعتبارها قادرا على صنع السلام؟!

وحتى المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي والموافقة على دخول منظمة التحرير فانها خطوات تثفهم في هذه المرحلة باعتبارها استكمالا لعملية هيكلة الساحة الفلسطينية, ويتذكر البعض ان الحديث عن فكرة المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي بعد اوسلو كانت في اطار الخروج عن الثوابت الوطنية والاسلامية, وما جرى الان ان اوسلو صنعت واقعا وسلطة كل ما تسعى اليه ان توافق اسرائيل على تنفيذ الاتفاقات, لكن كل هذا نوع من الدخول تحت اطار السلطة والمنظمة والتحول الى معارضة سياسية, لكنها معارضة تعطي الشرعية لرأي الاغلبية في السلطة والمنظمة والمتمثل في تبني التسوية خيارا استراتيجيا لادارة الصراع.

لقد استطاع محمود عباس ومن خلفه القيادة المصرية تحقيق نجاح كبير في احداث تغيير جذري في مسار حركات المقاومة, وتحويل تاريخها ومقدراتها الى رافعة لعملية السلام, واعطاء فرص لشارون ليثبت انه رجل سلام, وكأن الجميع يقولون ان شارون كان جيدا لكن المشكلة كانت في الفلسطينيين وعرفات, وعندما ذهب عرفات, قام الجميع بمن فيهم قوى المقاومة بوقف عملياتها لدعم التسوية ومساعدة شارون على اثبات حسن النوايا بعدما حرمته المرحلة السابقة من فعل هذا.

يحق لشارون ان يفخر بسجله الذي حفل بالقتل والمذابح والاغتيالات، وانه حصل من قوى المقاومة على مكافأة غير عادية على كل سياساته ومحاولات الاغتيال في دمشق, فشارون الذي تم تهديده بالثأر على قتله الشهداء تمت مكافأته من قوى المقاومة بهدنة ودعم لمسيرة المفاوضات واعطاء فرصة ليثبت انه صانع سلام, انه رجل التوافق الفلسطيني الذي اجمعت السلطة والمقاومة على دعمه سياسيا حتى وان كان ما يقال في الاعلام غير ذلك.

التعليق