لوبه بوشكوفسكي.....نهاية رجل شجاع

تم نشره في الجمعة 1 نيسان / أبريل 2005. 04:00 صباحاً

قبل عدة أيام وافقت زغرب، تحت ضغط التهديد بتعليق مفاوضات قبولها في الاتحاد الأوروبي في حال عدم تعاونها مع محكمة جرائم الحرب في لاهاي، على تسليم مواطنها لوبه بوشكوفسكي وزير الداخلية الأسبق في مكدونيا خلال 2001-2002 المتهم بارتكاب جرائم حرب.


وقد قوبل هذا القرار بانتقادات ومظاهرات بين أنصاره في العاصمة المكدونية سكوبيه، حيث لا يزال يعتبر "بطلا قوميا". ومع وصول بوشكوفسكي إلى لاهاي، بعد ميلوشيفيتش وأمثاله، يستمر تفتّت الصورة عن جيل من "الرجال الشجعان" و"الأبطال القوميين" والذين قادوا الحرب في الفترة السابقة مع تأجيج المشاعر القومية وتضخيم الخطر من الأعداء/ الجيران بواسطة أجهزة الإعلام التي كانوا يسيطرون عليها. ولذلك ليس من السهل على أنصارهم الذين كانوا يصدقون ما تنشره عنهم وسائل الإعلام أن يقبلوا بسهولة اعتقال وإرسال هؤلاء "الرجال الشجعان" و"الأبطال القوميين" إلى زنزانات لاهاي في انتظار محاكمتهم كـ"مجرمي حرب".


لوبه بوشكوفسكي نموذج من هؤلاء "الرجال الشجعان" الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قمة السلطة وكانوا يبررون لأنفسهم كل شيء بما في ذلك الجرائم والمجازر الجماعية في سبيل "المثل العليا" التي كانوا يؤمنون بها.


ولد بوشكوفسكي في 1961 في جمهورية مكدونيا اليوغسلافية وذهب للعمل إلى جمهورية كرواتيا المجاورة، حيث أخذ يعمل في مجال الفندقة. وعندما أعلنت كرواتيا استقلالها عن يوغسلافيا في 1991 ودخلت في "حرب الاستقلال" ضد بلغراد شارك بوشكوفسكي الشاب في الحرب. وفي غضون ذلك كانت جمهورية مكدونيا قد أعلنت استقلالها في خريف 1991 فعاد بوشكوفسكي وانضم إلى الحزب القومي المتشدد "فمرو" VMRO الذي حقق فوزا مفاجئاً في انتخابات 1998 بالاستناد إلى شعاراته القومية والمعادية للشيوعية.


ومع فوز الحزب وتشكيله للحكومة الجديدة بدأ صعود بوشكوفسكي السريع حين عيّن مساعدا لرئيس الاستخبارات ثم أمينا عاماً لوزارة الداخلية ثم وزيراً للداخلية في مطلع 2001، حين بدأ النزاع المسلح مع الأقلية الألبانية الكبيرة في مكدونيا الغربية التي كانت تطالب بمشاركة مناسبة في أمور الدولة مع حجمها (25% من عدد السكان).


وقد برز بوشكوفسكي وقتها بسرعة كرجل متشدد ضد التنازل عن أي شيء بحجة وجود "مؤامرة" على مكدونيا، وأعطى لحزبه وحكومته دور "الحامي" لمكدونيا في وجه الأخطار، وذلك كله بفضل تجييش فريق صحفي مرافق له باستمرار ووسائل إعلام في خدمته. وقد شكل بوشكوفسكي خلال النزاع ميليشيا خاصة به (النمور) وأعطى قوات الامن التابعة للوزارة صلاحيات مفتوحة لكل من تعتبره من "الأعداء".


ومع تفجيرات سبتمبر2001 تفتق ذهن بوشكوفسكي عن فكرة جهنمية. فقد كان الغرب يضغط بكل ثقله على حكومة بوشكوفسكي للقبول بحل وسط، وهو ما تحقق أخيراً بـ"اتفاقية أوهريد"، ولذلك فقد أراد بوشكوفسكي إيهام الغرب بأن المعارضة المسلحة على علاقة مع بن لادن و"القاعدة" حتى يقلب الغرب ضد المعارضة المسلحة. ولذلك فقد كلّف مساعديه باستقدام سبعة مهاجرين (ستة باكستانيين وهندي) من بلغاريا المجاورة، حيث كانوا ينتظرون فرصة للوصول إلى اليونان، ووضعهم في سيارة بضواحي العاصمة سكوبيه مع أزياء محلية وأسلحة ثم أطلق النار عليهم، وقام بوشكوفسكي في اليوم نفسه أمام كاميرات التلفزيون بالكشف عن إحباط "عملية إرهابية" للمسلمين المحليين ضد أهداف غربية في العاصمة.


ولكن خسارة حزبه في انتخابات أيلول 2002 وتشكيل حكومة ائتلافية جديدة (دخلت فيها المعارضة المسلحة بعد أن تحولت إلى حزب سياسي) سمح بنبش ملفات وزارة الداخلية، حيث بدأت تنكشف الخيوط لممارسات بوشكوفسكي خلال وجوده في الوزارة، وخاصة فيما يتعلق بدوره في الجريمة المنظمة ضد المهاجرين الأبرياء الذين استقدموا من بلغاريا وقتلوا في ضواحي العاصمة المكدونية.


وبعد بدء التحقيقات الأولية الرسمية صدر أخيراً في أيار 2004 قرار الاتهام الرسمي ضد بوشكوفسكي، ولكنه كان قد هرب من مكدونيا وذهب إلى كرواتيا التي يتمتع بجنسيتها نظراً لإقامته في كرواتيا ومشاركته في "حرب الاستقلال".

وبعد ضغوط مكدونية قامت السلطات الكرواتية باعتقاله في تشرين الثاني 2004 للتحقيق في الاتهامات المكدونية الرسمية. وفي غضون ذلك كانت محكمة جرائم الحرب في لاهاي تحقق في ممارسات قواته خلال النزاع المسلح في مكدونيا في ربيع 2001، حيث اتهم بتدبير مجزرة جماعية بحق السكان الأبرياء في قرية لوبوتين الذين قتلوا واتهموا بأنهم مقاتلون في "جيش التحرير القومي" الذي كان يقود آنذاك الحركة المسلحة.


وهكذا يساق الآن بوشكوفسكي إلى لاهاي باتهام مزدوج من بلاده التي كان فيها وزيراً للداخلية ومن القانون الدولي باعتباره "مجرم حرب".


كان ذلك اليوم الذي أرسل فيه بوشكوفسكي بالقيود إلى لاهاي، والأيام التي تلته، صدمة كبيرة لأنصاره الذين ينظرون إليه باعتباره من "الرجال الشجعان".

ولكن لابد من هكذا صدمة حتى يصحوا على عالم اليوم الذي لم تعد فيه البلاد تحتاج إلى "رجال شجعان" على الآخرين بل ساسة يشعرون بالمسؤولية لكل المواطنين في بلادهم. فمع "اتفاقية أوهريد" لم تعد جمهورية مكدونيا "دولة قومية" لطرف على حساب بقية الأطراف بل أصبحت دولة مواطنين متساوين بغض النظر عن أصولهم الاثنية.


هذا هو الدرس المهم، وهذا هو الفرق بين "نهاية رجل شجاع" و"محاكمة مجرم حرب"!


مدير معهد بيت الحكمة/جامعة آل البيت

التعليق