القمم العربية وإشكالية التجزئة

تم نشره في الأربعاء 30 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

 ما تواجهه القمم العربية من خلافات وصراعات تؤدي الى الشلل, او ما يشبه الشلل, والاسوأ ابقاء ما يتفق عليه في الادراج, او للذكرى, بعيداً عن الترجمة العملية. فأغلب ما وجّه الى القمم العربية من نقد سواء اكان بقصد البناء ام بقصد الهدم تركز على عدم تطبيق قراراتها او عدم الالتزام بما يتفق عليه.


ولو سألت اية دولة عربية عن المسؤولية عن هذه الحال, لألقتها على عاتق الدول العربية الاخرى. وحلفت الايمان المغلظة انها مع التضامن والعمل المشترك. وهنا يحار المرء اذا كانت كل دولة, طبعا من خلال حكومتها, حريصة كل هذا الحرص على التضامن والعمل العربي المشترك, فكيف تفسر تلك الهوّة بين القول والفعل, او بين قرارات القمم العربية, او مجالس الجامعة العربية وتطبيقها, والالتزام بها?


هنا, يجب الانتباه, قبل الغوص في البحث عن الاسباب التي تجيب عن هذا السؤال او تُفسر هذه الظاهرة, الى ان المشكل نفسه ممتد الى احزاب المعارضة كما اغلب النخب. فدائماً هنالك شعار التضامن والعمل المشترك وقرارات المؤتمرات التي تجمع الاحزاب, او النقابات,او القوى في نقد هذه السياسة او تلك او هذا الموقف او ذاك, او تحميل المسؤولية لهذا القطر دون غيره, مع غسل اليدين تماماً من هذا الداء العضال.


من يدقق في الواقع العربي يجد امامه امة واحدة مجزأة الى 22 قطراً. وكل قطر له دولته ذات السيادة, وقد اقامت الحدود والجدران الفاصلة, ودأبت كل منها على تأكيد هويتها المميزة.

 ومنها, وربما اكثرها, عاد الى الحفريات ما قبل الاسلام والعروبة.

 واعاد امجاد التاريخ القديم, ليشدد على شخصيته الفذة وينمي عصبيته الخاصة.


في هذا السياق يقوم التناقض بين اعتراف كل الدول بانتسابها الى الامة العربية واعتبار نفسها جزءاً من الامة, وتأكيدها على الحاجة الى التضامن والتعاون من جهة وبين اشكالات الواقع القطري وهي متعددة: كمشكل التفاوت في الاحجام والامكانات, والروابط الجيو-سياسية وما تولده من نزعات, ثم لا ننسى الخلافات الحدودية عندما راحت الدول لاستعمارية تقسم وترسم الحدود او تتركها بلا ترسيم.


هذه الاشكالات, ولّدت فيما ولدت, ما يمكن تسميته "العلاقات الشقيقية" فهنالك "الاخ الاكبر", و"الاخ الاصغر", و"الاخوة الكبار", المتنافسون اما على مستوى عام, او مستوى اقليمي اضيق.


الامر الذي ولّد بالضرورة نزعات الهيمنة, ومقابلها نزعة الافلات من الهيمنة ورفضها. مما فاقم حالة التجزئة التي هي مشكلة واقعية موضوعية لتصبح مشكلة موضوعية وذاتية (بمعنى النزعة وليس الوعي فقط).


ومن هنا يخطىء من يظن أن المشكل في "العقل العربي" او في الوعي العربي او في هذه السياسة او تلك, او هذه الايديولوجية او تلك. انه مشكل موضوعي شديد الوطأة والتأثير على العقل والوعي والايديولوجية والسياسة. بل هو مولّد للعقل الذي يناسبه, ولا يفتأ ينجز في العقل الذي يريد تجاوزه لا سيما حين يصل المعني الى السلطة, او يقترب منها او يصبح حزباً كبيراً. بل امتد التأثير الى الاحزاب منذ الولادة لا سيما في العقدين الاخيرين.


هذه الخصوصية التي تحكم الدول العربية (وليس الحكومات او الاحزاب عموما فقط) معززة بميثاقي الامم المتحدة والجامعة العربية والقانون الدولي, والاهم, باستراتيجيات الدول الكبرى التي تحرص على ابقاء التجزئة العربية, وعدم تخطيها الى تضامن او تنسيق, ناهيك عن اتحاد او وحدة: فهذه الاستراتيجيات الراهنة هي الاستمرار "الشرعي" لاتفاقية سايكس -بيكو. واذا كان من تغيير قد يحدث فيها فسيكون باتجاه المزيد من التجزئة لبعض الدول.


والانكى ان الاستراتيجيات الدولية, وفي مقدمتها الاستراتيجية الاميركية تقدمت خطوة اخرى باتجاه الغاء الهوية العربية - الاسلامية للبلاد العربية, الغاء هوية الامة. وهي ما تعنيه استراتيجية "الشرق الاوسط" الكبير او الصغير، حيث يراد ان تحمل الهوية الجغرافية, ومعها ابراز كل هوية أقلوية من اجل تحقيق النظرية الصهيونية التي ترفض المشترك العروبي والاسلامي بين البلدان العربية. وترى ان هذه البلدان وشعوبها عبارة عن فسيفساء (موزاييك) من طوائف واديان ومذاهب واثنيات وجهويات واقوام.


وبهذا يكون ثمة عامل موضوعي آخر: النظام العالمي, واستراتيجيات الدول الكبرى وموازين القوى العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية يقف ضد التضامن العربي او التنسيق او العمل المشترك او السوق المشتركة حتى لو كان في ادنى الحدود عملياً. ومن ثم فان الخروج من هذه المعادلة يتطلب مواجهة هذا التحدي. مما يزيد من قوة اتجاهات او نزعات اللاتعاون في الواقع العربي.


ثم هنالك الخصوصية الثالثة وهي "ثالثة الاثافي" اي زرع الكيان الصهيوني في قلب واقع التجزئة العربية، ما فاقم من اتجاه الاستراتيجيات الدولية لتكريس التجزئة العربية, وعدم السماح لقيام تعاون عربي حتى لو كان في ابسط المجالات, وابعاد الدول العربية عن القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية, بسبب تعاظم النفوذ الصهيوني الاميركي داخل الكونغرس والادارة والاجهزة.


وبعد, فهل يستطيع احد ألا يرى ان ثمة "اعجوبة" ان يصدر بيان قمة الجزائر كما صدر بالرغم مما اتسمت به القمة من ضعف وعجز ووهن. ولعل اقوى سبب, من بين اسباب اخرى, لهذه "الاعجوبة" هو قوة الرأي العام العربي وضغطه باتجاه التعاون ورفض الضغوط الاميركية و"الشرق اوسطية".


مفكر سياسي عربي

التعليق