كلنا ننتظر في باب الخليل!

تم نشره في الاثنين 28 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

  عندما تدخل البلدة القديمة للقدس من باب العامود وتقف في الساحة داخل الباب يواجهك طريقان، يتصلان أمام ناظريك بزاوية، أحدهما يتجه نحو الجنوب هو طريق خان الزيت الشهير، والآخر نحو الجنوب الشرقي ويسمى الواد ويوصلك إلى الحرم. وإذا ما سرت في الطريق الأخير حوالي مائتي متر سترى بيتا يطل كقنطرة على الطريق الضيق، وقد طليت نوافذه باللون الأزرق، ويقف أمام مدخله جنود يحرسونه. من شرفته ينسدل علم إسرائيلي كبير، هذا البيت هو بيت أرييل شارون! اللون ذاته ستراه أثناء تجوالك في البلدة القديمة والقدس الشرقية على إطارات نوافذ وأبواب عدد من البيوت التي يسكنها إسرائيليون. خلف هذا اللون الأزرق الصافي تختفي قصة بشعة تروي استلاب مدينة عربية. هذه هي القدس، التي ترمز بشكل مصغر لما حصل ويحصل في كل فلسطين!

  ننتظر نحن العرب أن تخبرنا الصحف الإسرائيلية بما يجري في القدس، كما حصل مؤخرا عندما نشرت معاريف تحت عنوان "ساحة عمر في أيدينا" خبر بيع عقارات في باب الخليل لـ "مجموعتين مستثمرتين" يهوديتين وضعتا نصب أعينهما الاستيلاء على المدينة تحت شعار "إنقاذ أراضي القدس". الحديث يدور عن فندقين وسبعة وعشرين محلا تجاريا داخل باب الخليل في ساحة عمر بن الخطاب.

  حسب معاريف أتم الصفقة نيكولاس باباذيموس، وهو الساعد الأيمن لإيرينيوس الأول، بطريرك الروم الأرثوذكس. وكان البطريرك قد خول باباذيموس "بتأجير أملاك الكنيسة لفترة طويلة" حسب وكالة نشرتها الصحيفة، وذكرت أيضا أن الرجل كان منذ خمسة أعوام يعيش في إسرائيل "حياة مترفة ويكثر من التباهي بعلاقاته مع أوساط إسرائيلية بعضها مقرب من أرييل شارون". وكشفت بعض المصادر أن باباذيموس متزوج من يهودية وكان يعيش في يافا. واللافت للنظر ما قالته معاريف من أن بطريركية الروم الأرثوذكس كانت تعاني من ضائقة مالية فاضطرت للقبول بصفقة باب الخليل. لكن حسب مصادر أخرى اتهمت البطريركية باباذيموس باختلاس أموال وطلبت من الانتربول ملاحقته بعد أن هرب من البلاد قبل بضعة أشهر.  
  
  تمثل ساحة عمر عصبا رئيسيا للمدينة، فهي تواجهك مباشرة عندما تدخل باب الخليل، وتطل عليها من الجهة الجنوبية قلعة القدس العثمانية ومن الجهة الشمالية مبنى فندق الإمبريال الذي يقع بين مسربين، الأول يوصل إلى بطريركية اللاتين ومن هناك إلى منطقة الباب الجديد. الثاني يوصل إلى بطريركية الروم الأرثوذكس وفي نهاية المطاف إلى كنيسة القيامة. وبعد بضعة أمتار من الإمبريال تصل إلى فندق بترا قبل الدخول في سويقة علون التي تؤدي إلى الحرم. ومن الساحة ينطلق شارعان رئيسيان، الأول يصل القدس بجنوب فلسطين مرورا ببيت لحم والخليل، والثاني يؤدي إلى شارع يافا وكان يمتد في الماضي بمحاذاة السور من الجهة الغربية. في الفترة الواقعة بين عامي 1948 و1967 كان باب الخليل مغلقا، وهو يطل على "الأرض الحرام" التي تشمل بركة السلطان وجورة العناب.

  من ساحة عمر يشق ممر فندق الإمبريال ليصل إلى مبنى البلدية القديم، الذي بقي مغلقا عدة سنوات بعد سقوط الضفة الغربية عام 1967 وأعيد استخدامه في السنوات الأخيرة كمكتب لإحدى الدوائر الإسرائيلية! وفي الطابق الأرضي لفندقي إمبريال وبترا توجد عشرات المحلات التجارية التي تعود ملكيتها لبطريركية الروم الأرثوذكس. الكثير من هذه المحلات مغلق إما لأن المستأجرين لم يتمكنوا من تسديد  الضرائب التي فرضتها عليهم سلطات الاحتلال، أو لأن البطريركية تطالب مع انتهاء العقد القديم بإيجارات ومبالغ "خلو" باهظة. وهناك عدد من المطاعم ما زالت قائمة حسب عقود قديمة، وبالأخص تلك المطلة مباشرة على الساحة كمطعمي السان ميشيل ومقهى الليدو، أو محل أبو خضر، كما يسميه السكان.

  صدر عن البطريركية بيان يعتبر عملية البيع لاغية وأن أي وكالة بهذا الشأن باطلة. وأفاد المستشار الإعلامي للبطريركية أن باباذيموس غير مخول ببيع أملاك الكنيسة وأكد أن "التوكيل الذي يحمله باباذيموس يخوله تأجير العقارات ضمن حدود، أما البيع فهو خارج إطار صلاحياته". وأضاف أن الوكالة التي يحملها محامي البطريركية الإسرائيلي لا تخوله البيع أيضا. وأدان المجلس التشريعي الفلسطيني صفقة البيع ووصفها بأنها تدخل في إطار تهويد القدس وتغيير معالمها التاريخية والحضارية. أما النائب المقدسي حاتم عبد القادر فقد وصف الصفقة بأنها "مصيبة وكارثة" لأنها تقع في موقع حساس من القدس، واعتبر أحمد هاشم الزغير، عضو المجلس التشريعي عن دائرة القدس، بأن ما حصل هو "هدم للتاريخ وتشويه للمستقبل ولا يجوز السكوت عليه إطلاقا".

وقررت الحكومة الفلسطينية تشكيل لجنة وزارية للتحقيق في الصفقة. ووصف الأب عطاالله حنا الناطق الرسمي للبطريركية الصفقة بأنها "خطيرة" وقال أنها "تندرج في إطار سياسات تهويد المدينة والمس بمكانتها العربية والإسلامية وهي مؤامرة كبيرة على مدينة القدس وفلسطينيتها"، وأرسل خطابا رسميا لمؤتمر القمة العربية للتدخل ووقف هذه الصفقة. وحسب حديث خاص بصحيفة "الغد" نفت البطريركية الأنباء التي تتحدث عن "بيع أراض في داخل البلدة القديمة في القدس المحتلة".   

  لكن يبدو أن صفقة باب الخليل ليست الأولى، فمروان الطوباسي رئيس اللجنة التنفيذية للطائفة الأرثوذكسية العربية أشار إلى أن الصفقة الأخيرة هي جزء من مسلسل تصفية عقارات تمارسه البطريركية منذ سنوات، فقد ساهمت هذه البطريركية في تسريب أراضي جنوب القدس في جبل أبو غنيم الذي بنيت عليه مستعمرة "هار حوماه"، وكذلك الجبل الذي تقع عليه إلى الشرق مستعمرة "معاليه أدوميم". ونشرت صحيفة هآرتس تقريرا مطولا حول عمليات تأجير وبيع في أكثر من موقع في فلسطين. وأشارت مصادر أخرى أن البطريركية تملك 10% من أراضي فلسطين تقوم ببيعها أو تأجيرها حسبما تشاء بالرغم من أنها أوقاف.

  غير أن ما وصل إليه الوضع في القدس يتجاوز ما نشرته معاريف بكثير. فهناك ما تقوم به إسرائيل من عمليات مصادرة وتدمير في البلدة القديمة وحولها، فقد دمرت في العام 1967 حارة المغاربة المجاورة للحرم، وصادرت مبنى القلعة التاريخي الضخم المواجه لفندق الإمبريال وحولته إلى متحف يمجد تاريخا يهوديا مصطنعا في فلسطين. وليس بعيدا عن باب الخليل استولت إسرائيل على مسجد النبي داود وحولته إلى كنيس وأصبحت المنطقة المحيطة به، والعائدة لعائلة الدجاني، تعج بالمدارس الدينية اليهودية التي تأسست في بيوت عربية. كما غيرت الكثير من المعالم حول البلدة القديمة، من بينها المنطقة الواقعة بين باب الخليل وشارع يافا فدمرت المحلات التي كانت ملاصقة للسور من جهته الغربية وأصبحت الشماعة الواقعة في جورة العناب يهودية. ودمرت مبان تقع خارج السور عند باب الجديد وبمواجهة النوتردام. القائمة طويلة ... وطويلة جدا! 
 
  القدس هي العنوان السياسي الأول للقضية الفلسطينية وما يحدث فيها لا ينحصر في ممارسات فاسدة تدان من هذا الطرف أو ذاك وتقام بشأنها لجان تحقيق. فمحامي بطريركية الروم الأرثوذكس هو جلعاد شير الذي كان يعمل كمستشار سياسي في حكومة إيهود باراك السابقة وشارك آنذاك في "مفاوضات السلام" الإسرائيلية الفلسطينية. ويلاحظ أيضا أن وكالات الأنباء سربت اسم مجموعة "عطيريت كوهانيم" التي ربما كانت تقف وراء صفقة باب الخليل. ونشاط هذه المجموعة وغيرها من المجموعات الاستعمارية هو جزء من سياسة صهيونية متكاملة.   

  أبو رباح الدجاني واحد من القلائل الذين عاشوا طويلا وعاصروا النكبات الفلسطينية المتوالية ويعرفه رواد باب الخليل جيدا، ففي كل صباح يأتي بقامته النحيلة ويتنقل من زاوية إلى أخرى وفي "الدخلة" قريبا من مقهى أبو خضر يجلس على كرسي عتيق ويقلب صحيفة اليوم باحثا عن خبر مشجع أو مفرح يقول له أن البلاد ستعود!

   أبو رباح ليس وحده، فكلنا نحمل في داخلنا جزءا منه، وسنبقى في باب الخليل ننتظر وننتظر ...!  

التعليق