الفرد والمجتمع والدولة

تم نشره في الخميس 24 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

بعد نهاية الحرب الباردة، وظهور المراجعات الجديدة لفكرة دولة الرفاه، والبحث عن نموذج جديد للدولة، ظهر السؤال من جديد عن مثلث الحياة السياسية وهو: الفرد، والمجتمع والدولة. وتزداد أهمية البحث عن هذا المثلث بسبب مرور أغلب المجتمعات البشرية بعمليات تحول انتقالية عميقة جداً، والأخطر أن محطاتها غير واضحة. فالحالة الراهنة أشبه ما تكون برحلة غير معروفة محطات النهاية. فمعظم المجتمعات الإنسانية ترى محطاتها التي تغادرها، ولكنها لا تدري إلى أين المسير. 

نمو المجتمعات الصناعية، ترافق مع ظاهرتين: الأولى تزايد نسبة سكان المدن لمجموع السكان. والثانية ثورة زراعية مكنت من توفير فائض عمالة هائلة للانتقال في العمل من الزراعة للصناعة. ومع استمرار ثورة الإنتاج الزراعي أو الثورة الخضراء، أصبحت المجتمعات الحديثة أقل اعتماداً على الريف كمصدر للغذاء. وهذا مكن من نمو المدن والمجتمعات الحضرية بشكل سريع وهائل.

ومع نمو فاعلية وقيمة الخدمات في اقتصاديات المجتمعات المعاصرة، تزايدت فاعلية التجمعات السكانية الكبيرة باعتبارها أساس اقتصاد الخدمات. وأصبحت عملية إدارة المجتمعات المدنية الكبيرة أحد أهم تحديات الدولة الحديثة. فهناك إضافة إلى الأبعاد البيئية والاقتصادية والثقافية، ظهرت معضلة الإدارة السياسية والأمنية لهذه المجتمعات.

نهاية الحرب الباردة، وصعود الموجة الديمقراطية الثالثة، على حد تعبير صمويل هنتنغتون، ثم صعود موجة الديمقراطية الرابعة في إطار الحرب على الإرهاب، يبرز سؤالاً حقيقياً وهو: مدى انسجام الوسائل والأدوات وأشكال التنظيم القديمة في إدارة المجتمعات مع التطورات الحديثة، ومع متطلبات الديمقراطية. والاستنتاج الحاسم هو أن هذه الأدوات ليست مجدية، ولكن البدائل غير متوفرة، مما يضع العديد من المجتمعات التي تفتقر نخبها للخيال الخلاق، في مأزق موضوعي وهو تخلف بناها التنظيمية والثقافية عن متطلبات نموها وتطورها الاقتصادي والاجتماعي. فالنموذج القديم وهو تعامل الدولة مع الأفراد من خلال أقل ما يمكن من القنوات الوسيطة، وبأكثر ما يمكن من المباشرة، لم يعد مجديا.

فمثل هذا النموذج هو احد مقتضيات الحرب الباردة. إضافة إلى أنه كان ممكناً في إطار حجم المجتمعات، ومستوى نموها وتطورها وتعقيدها. فقد كانت الدولة تمثل الحالة الأرقى في التقدم والنمو. وكانت الدولة هي قمة ممكنات التطور للأفراد. وهذا الامتياز فقدته الدولة المعاصرة أمام زحف النمو الكمي المترافق مع ثورة الاتصالات والتعليم المعاصرة. فالدولة لم تعد تحتكر بؤرة التقدم وتعبر عنه في مواجهة مجتمع متخلف. ولم يعد الأفراد أمام خيارين فقط وهما البقاء في داخل الأطر التقليدية أو الالتحاق بالدولة. فهناك خيارات جديدة، والدولة معنية بالتعامل مع الخيارات الجديدة المتحققة، وتلك التي ما تزال في طور الإمكان.

نظرة الفرد الأردني للدولة باعتبارها معيار التقدم ووسيلته، والتعبير الأرقى عنه، بدأت تتغير. وهذا لا يعني فقط تغيرا سياسيا، بل موقف مصلحة، وحقيقة موضوعية بدأت تفرض نفسها على وعي الأفراد. فحتى وقت قريب كان أمام الفرد الأردني خيارات قليلة وواضحة، إذا أراد البقاء خارج أطر التعامل المباشر للدولة وهي البقاء في الإطار العشائري، أو العودة له، حيث كان ذلك ضرورياً.

النمو الحضري في المجتمع الأردني لم يؤد إلى تدمير الأطر العشائرية، ولكنه فتح هوامش واسعة لخيارات جديدة. فأكثر من 90% من الأردنيين يعيشون الآن في مجتمعات مدينية. ورغم أن هذه المجتمعات يطغى عليها طابع مجتمعات المدينة من حيث نمط الحياة ومصادر الدخل، ولكنها ليست مجتمعات مدنية متماسكة، حيث لم تستكمل بعد تطورها ونضجها المدني. المهم في العلاقة بين البنى التقليدية والممكنات الجديدة، أن الدولة فقدت القدرة على إدارة التنافس بينهما.

هذه التطورات فرضت ظهور صيغ جديدة لتشكيل المجتمعات في المدن، تؤمن التواصل بين المجاميع والأفراد. فالمجتمع أولاً وأخيراً هو منظومة من المنظومات قائمة على أساس الاعتراف بالتباين كوسيلة من وسائل تحقيق التكامل، أو على حد تعبير أحد علماء السياسة هو طريقة لتحقيق الاندماج باعتباره الشرط الوحيد للحصول على مزايا التفرد. فما يجري هو تطوير على الصفقة التي وصفها جان جاك روسو قبل ثلاثة قرون، فهو يرى أن الأفراد يتخلون طوعاً عن جزء من حريتهم لقاء وجودهم في المجتمع، والدولة هي وسيط هذه الصفقة.

ولكن الحالة المعاصرة مختلفة لبعض الشيء، فالصفقة المعاصرة لا تتم عبر الدولة ولكنها تتم عبر فكرة التمايز والقيمة. فالفرد الذي يبحث عن قيمة فرادته وخصوصيته، لا يجد قيمة لهذا التفرد إلا من خلال الآخرين. فالقيمة هي الرابط بين الفرد والمجتمع. ولا تتحقق القيمة إلا من خلال منظومة. لذلك فإن المجتمع ليس مجرد تجمع أفراد تعتليه الدولة. إنه منظومة أفراد منتج للدولة. وإذا غابت المنظومة لن يعود بالإمكان الحديث عن المجتمع، وستفقد الدولة كل فرصها في التجدد والديمومة. والمنظومة المطلوبة تتكون من عدة منظومات جزئية متكاملة.

فلا يوجد مجتمع بمنظومة ثقافية فقط، أو اقتصادية فقط، أو سياسية فقط. وعنوان تكامل واندماج هذه المنظومات هي الدولة. فالدولة يجب أن تعبر عن تكامل منظومة المنظومات. فلا يمكن للدولة أن تكون فقط محمولة على حامل اقتصادي، عندها تتحول إلى مجرد شركة في أحسن حالاتها، أو مجرد عصابة.

والذي يميز عنصر القوة في الدولة عنه لدى القراصنة هو توفر منظومة ثقافية محمولة على القيم العليا. كما أن عهد اعتماد الدولة على احتكار العنف انتهى، ليس بسبب القدرة على كسر هذا الاحتكار، ولكن أيضاً بسبب استحالة تبريره دون تكامله مع المنظومات الأخرى، وبالذات الثقافية. ففي الحرب الباردة حلت الأيديولوجيا محل الثقافة، وهذا عصر انتهى. فما يميز الجندي الذي يحمل وطناً ويحميه عن المرتزق، هو تعبير الجندي عن قيمة عليا، وغيابها لدى المرتزقة. والذي يميز الجيوش عن قوات القراصنة هو أن الجيوش التي تحمل فكرة الوطن وحدها القادرة على تحقيق ثنائية الولاء والكبرياء. وهذه الثنائية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الفكرة العظيمة، ولم تعد الأيديولوجيا قادرة على احتكار الفكرة العظيمة إلا لدى فئات محدودة.

الأطر التقليدية لم تعد قادرة على تحقيق شروط المجتمع المعاصر، ولم تعد تلبي احتياجات الأفراد، لهذا هي تتآكل بسبب نمو المجتمعات وبسبب أنماط الحياة الحديثة التي تفرضها التقنية، وتفرضها النظم الاقتصادية المعاصرة. ويصف الكاتب الألماني هرمان هيسه حالة المجتمعات التي تطورت فيها النظم الاقتصادية ولم تنسجم معها النظم الثقافية والسياسية بأنها قطعة من الجحيم حيث تبدأ الروح الإنسانية بالتآكل، ويفقد المجتمع بداهته، ويتحول الأفراد فيه إلى كلاب ضالة.

وما تواجهه كل المجتمعات من صدمات للحداثة الذي تعرض لها ألفين توفلر بكتابه الشهير بعنوان صدمة الحداثة هو عدم قدرة حركة الثقافة والسياسة على متابعة متطلبات النمو الاقتصادي، وعدم قدرة الجماعات على إعادة التشكل في إطار عملية التكيف.

وهذا ربما المفتاح الأنسب لفهم التحديات التي تواجهها الدول العربية، وتواجهها المجتمعات العربية بما في ذلك الأردن. نماذج الدولة القديمة لم تعد ممكنة بسبب عاملين، الأول خارجي، حيث لم يعد هناك من يحتاج إلى دول تقود مجتمعات ضخمة وتحشد طاقات هذه المجتمعات بانتظار مواجهة محتملة. والثاني داخلي، حيث لم يعد بالإمكان تلبية حاجات هذه المجتمعات من خلال إدارة يوميات عيشها بالتعليمات ومن خلال مؤسسات الدولة.

المجتمعات العربية نمت كمياً، حيث تضاعفت أكثر من أربع مرات خلال أقل من خمسين عاماً. كذلك نمت متطلبات الأفراد في هذه المجتمعات، وما لا يمكن تأمينه من خلال القنوات الاجتماعية الرسمية، أو الدولانية، سيقوم الأفراد بتنظيم تأمين حاجاتهم عبر مبادرات تلقائية. وعجز الدولة عن تقديم ما يمكن الأفراد من تامين حاجاتهم من خلال أطر الدولة، مؤشر على تراجع قيمتها وفاعليتها الاجتماعية.

 وما لم تستمر الدولة في قيادة عملية التطوير والتحديث وتبادر في هذا الاتجاه، فإنها وبسبب عجزها عن إعاقة عملية التطور ستدفع ثمناً باهظاً، فهي لن تستطيع إعاقة عملية التطور. إذ أن خيار إعاقة التطور له كلفة عالية، إضافة إلى أنه مستحيل عملياً، وهو فقط يزيد كلف عملية التطور وقد يؤخرها، ويجعل مسيرها غير منتظم، فدروس التاريخ تثبت أنه لا توجد قوة تقهر حاجة جماعية، ولا توجد قوة تستطيع الانتصار على فكرة آن أوانها. وأمام الدول خياران؛ إما أن تخضع لعمليات إعادة هيكلة، أو تتحول من عبء على المجتمع إلى رافعة تمكنه من متابعة مشروع التقدم دون أن تطلب منه ثمناً وكلفة غير مبررة لقاء هذا الدور.

التعليق