قراءات ديمقراطية: الاقصاء في العصر الاميركي

تم نشره في الثلاثاء 22 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

     لا يختلف اثنان في هذا العالم في أن الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان تستند أساسا الى تعددية الاراء وحرية الاختيار ومقبولية الاختلاف واللجوء الى الحوار والمناظرة والاقناع لطرح الآراء والمواقف ونبذ الترويع والتخويف والتهديد واستخدام العنف والاضطهاد والقمع لفرض وجهة نظر واحدة أو أحادية.

 جميع السياسيين والكتاب والمفكرين, من العالم المتقدم أو الثالث, الدكتاتوري والديمقراطي, العلماني والديني, يرددون تلك الكلمات والافكار ويزعمون أنهم دعاتها والحريصون على تطبيقها ويسخرون أجهزة الاعلام وعددا من الكتاب والصحفيين للترويج لهم, وليس لتلك الافكار ومدى تطبيقها الفعلي. غير أن النتائج مخيبة للآمال بل غالبا ما تصعق من يصدق تلك الدعاية, سواء كانت من هذا المعسكر أو ذاك.


       من المفيد الاشارة بداية أن فرنسا, بمبادئ ثورتها السياسية والفكرية والاخلاقية, كانت السباقة في تشريع وإرساء الأسس والأطر العصرية للديمقراطية وحقوق الانسان وحرية الفرد والمساواة من خلال شعارها الثلاثي في الحرية والمساواة والاخوة قبل أن تتشكل الولايات المتحدة الاميركية بصيغتها الحالية بعقود عديدة. وكان الهيكل الاولي للولايات المتحدة ظهر على خارطة العالم وفق اتفاقية وقعت في العاصمة الفرنسية عام 1783 بعد انسلاخ ثلاث عشرة مستعمرة عن بريطانيا. وفي العصر الحالي تزعم الولايات المتحدة انها صرح الحرية والديمقراطية والمدافعة عن المساواة وحقوق الانسان والحرية. فهل تسمح بتعددية الآراء واختلافها؟ وبالحوار والمناظرة والاقناع؟


 كتب الكثيرون, بعضهم بحيادية كاملة والآخر بانحيازية كاملة, واستنتجوا اتجاهات وأدلة لدعم هذا الرأي أو ذاك. لكنني أعتقد أن أحدث, وأبلغ مصدر متيسر الان ولا يقبل أي لبس أو ابهام, هو كلمة كونداليزا رايس, وزيرة خارجية الولايات المتحدة الاميركية القادمة, التي ألقتها, يوم الثلاثاء, في افتتاح جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الاميركي لتثبيتها في منصبها.

ترددت في تلك الكلمة ثلاثة أسس فكرية تكشف لنا المستور-المعروف من العقلية الاميركية الجديدة-القديمة في ظل ادارة فكر المحافظين من اليمين المسيحي الذي يصفه البعض باليمين المسيحي الصهيوني المتشدد الذي تربع على سدة الحكم الاميركي بانتخاب جورج بوش الابن عام 2000 والذي, اليمين المسيحي وبوش, سيستمر في موقعه الفريد لأربع سنوات قادمة.


 تمثلت أسس رايس الفكرية في الرؤى (Vision) والقيم (Values) وأن يصبح العالم أكثر أمنا. وربطت رايس السياسة الاميركية الخارجية والانسانية والامنية والاقتصادية والاجتماعية بتلك الاسس. وأصدرت إنذارا: من يساند تلك الرؤى والقيم ويعتنقها يتمتع بأمان أميركي ومن لا يفعل ذلك تزيحه البلدوزر الاميركي.

فما هي هوية صاحب "الرؤى" التي تختطها الولايات المتحدة في ظل ادارتها الحالية؟ وما هي نوعية "القيم" ولمن تعود؟ وأي عالم سيصبح أكثر أمنا؟


        أفصحت رايس عن هوية تلك الرؤى, بدون لف أو دوران, بالقول إنها الرؤى الاميركية التي " سادت prevailed" وانتصرت مع نهاية الحرب الباردة وسحقت الفكر الاخر الاشتراكي الشيوعي وان "الرؤى ذاتها" هي التي ستسود في العالم. وينسجم هذا بالتحديد مع المبدأ الفكري الذي حدده الرئيس بوش في خطاباته وأحاديثه منذ ولايته الاولى وردده قادة إدارته, إذ على الدول والاشخاص ان يحددوا موقفهم "فمن لم يكن معنا يصبح ضدنا" ويعني ذلك أحادية الموقف وفرض الرأي وفرزا قطعيا لمعسكرين أحدهما عدو الولايات المتحدة الاميركية.

وقد وصفت رايس في كلمتها المعسكر الآخر بأنهم "أعداء". ولا يوجد خيار أو مساحة للحوار والتعبير عن الرأي أو حتى تمازج أو تفاعل مواقف وثقافات وآراء للوصول الى تفاهم وتسوية لا تلغي أي طرف, لأن النتيجة, من وجهة النظر الاميركية, يجب ان تكون محسومة لصالح "القيم" الاميركية والانصياع لها مع اقصاء من لا يدخل في طوعها.


      ولا يوجد أدنى شك في أن موقف "اما معنا أو ضدنا", حتى وان كانت مواقف الطرف الآخر, اي العدو, ذات مصداقية, تتعارض كليا مع مبدأ الديمقراطية والتعددية والاختلاف وحرية الاختيار والتفاعل الحضاري.

ويفقد من يفرض مثل هذا الرأي القدرة على العدالة والمساواة والأخوة وبالتالي يتحول الى دكتاتور بعباءة لفظية ديمقراطية. كما ان إلغاء الطرف الآخر وإقصاءه لن يكون بالحوار مثلما تثبت الوقائع الجارية في العالم منذ أربع سنوات من الفلبين وافغانستان والعراق وفلسطين والسودان وحتى اميركا الجنوبية, وانما باستخدام سلاح العقوبات والقوة العسكرية الهائلة الماحقة والقتل وانتهاك حقوق الانسان لتحقيق سيادة الرؤى والقيم الاميركية.


      ولكن الاسلحة التي تستخدمها الادراة الاميركية ترتد إليها إذ نتائجها حتى الان أثبتت صعوبة تحقيق الهدف الاستراتيجي الثالث وهو "أن يصبح العالم أكثر أمنا".

 وقد نشرت هيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي ) نتائج استطلاع تقول إن أغلب دول العالم وسكانه يعتقدون أن العالم أصبح أكثر خطورة بإعادة انتخاب بوش لولاية ثانية. ويقول ستيفن سكال, مدير برنامج مواقف السياسة الدولية الذي أجرى الاستطلاع, "انها صورة قاتمة بالنسبة للولايات المتحدة وقد امتدت المواقف السلبية من بوش لتشمل الشعب الاميركي" استنادا لما كشفه الاستطلاع في احدى وعشرين دولة.

أن القصد في الامان هو توفير الامن للولايات المتحدة فقط مع سحق الدول الاخرى دون أي اعتبار لقوانين أو أخلاق أو لخسائر بشرية وبيئية, باستخدام اسلحة محرمة, أو مادية في الدول المستهدفة مثلما يجري حاليا في العراق حيث يسحق الاطفال والنساء والمساجد والبيوت والمدن بكاملها.


        ولن يتحقق الامن حتى للولايات المتحدة ومواطنيها اذا أدت حروبها وغزواتها وحملاتها لتطبيق الرؤى والقيم الاميركية الى خلق شبكات ارهاب جديدة من أصول واسس فكرية متنوعة. فلم يعد العنف والمقاومة والارهاب مقتصرا على من يوصفون بالمتشددين أو المتطرفين أو الاصوليين الدينيين, فقد انتشر اللهيب وانضم الى تلك المجموعات في قتالها للأميركيين مجموعات علمانية التفكير.

أنه حان الوقت, فعليا, لتفعيل الدبلوماسية ولكن ينبغي أن يكون على اساس القبول بالتعددية وحرية الرأي واحترام خصوصيات الآخرين والتخلي عن ادوات القوة والعنف والاقصاء لفرض الرؤى والقيم الاميركية. حينها يصبح العالم والولايات المتحدة أكثر أمانا ويعتقد غالبية المشاركين في استطلاعات الرأي أن الادارة الاميركية ادارة اخلاقية ديمقراطية رائدة وقائدة اخلاقية لحقوق الانسان والحرية.


كاتب ومحلل سياسي عراقي


editor@bbcagency.net

التعليق