السيناريو المتوقَّع في لبنان في ضوء بعض مطالب "المعارضة"

تم نشره في الاثنين 21 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

     هناك مطلبان أساسيَّان من مطالب المعارضة اللبنانيَّة يثيران الكثير من القلق، ولا أعرف ما إذا كان الذين يطرحونهما على وعيٍ تامّ بعواقبهما. الأوَّل هو المطالبة بلجنة دوليَّة للتحقيق في جريمة قتل الحريري. فهذا يعيد إلى الذهن التجربة المؤلمة التي مثَّلتها اللجان الدوليَّة للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق والتي مكثت ثلاث عشرة سنة وهي تحرث أرض العراق، طولاً وعرضاً، من دون أن تتقدَّم بتقرير مهني واضح؛ بل ظلَّ رؤساؤها يستخدمون في تصريحاتهم وتقاريرهم اللغة السياسيَّة العائمة والضبابيَّة، القابلة لشتَّى التفسيرات وللاستخدام حسب الرغبة والغرض. وفي هذه الأثناء ظلَّ العراق محاصراً طوال تلك السنوات، وتعرَّض لأكثر من عدوان عليه بالغارات الجويَّة وبالصواريخ البعيدة المدى، بحجَّة أنَّه أعاق عمل هذه اللجان التي كانت تبالغ في طلباتها التعسُّفيَّة المهينة والخارجة عن نطاق مهمَّتها الأصليَّة. وفي النهاية شُنَّ العدوان الشامل على العراق، واحتُلتْ أرضه، وحُلَّتْ دولته، وشهد الكثير من الدمار والويلات والنكبات (ولا يزال)، بذريعة أسلحة الدمار الشامل التي ثبت في النهاية أنَّها لم تكن موجودة، وأنَّ العراق كان قد التزم منذ البداية بالقرارات الدوليَّة ودمَّر ما كان موجوداً لديه من تلك الأسلحة في السابق.

     وثبت فيما بعد، من خلال تصريحات بعض أعضاء تلك اللجان وبعض رؤسائها، أنَّها لم تكن نزيهة ولم تكن متقيِّدة تماماً بالأصول المهنيَّة في عملها، بل كانت تخضع لتوجيهات وضغوط الحكومة الأميركيَّة، وكانت تقيم علاقات استخباريَّة وتتبادل المعلومات مع المخابرات الأميركيَّة، بل والإسرائيليَّة أيضاً، بوجه خاص، واستُغلَّتْ المعلومات التي جمعتها في العدوان على العراق.

        وفي المحصِّلة، فإنَّه لا يمكن الرهان على نزاهة وصدقيَّة ما يسمَّى اللجان الدوليَّة في ظلّ اختلال ميزان القوى الدوليّ وهيمنة الولايات المتَّحدة على المنظَّمة الدوليَّة ومؤسَّساتها وقرارها. فما الذي نتوقَّعه، إذاً، من محصِّلة عمل اللجنة الدوليَّة التي تميل المعارضة اللبنانيَّة لمنحها الثقة المسبقة (وعلى بياض) ليكون لها القرار النهائي فيما يتعلَّق بجريمة اغتيال السيِّد رفيق الحريري؟!

          منذ الآن، ونحن لا نزال في البداية، بدأنا نسمع تسريبات مريبة، من هذه اللجنة، عن أدلَّة "يُعتقد بأنَّه تمَّ إخفاؤها"؛ والدليل الذي يقدِّمه هؤلاء هو أنَّ السيَّارات التي أصابها الانفجار قد تمَّ سحبها من المكان! فهل يجب أن تبقى السيَّارات في الشارع طوال الوقت؟! ومفهوم أنَّه حتَّى لو بقيت فإنَّ هذا ما كان ليمنعهم من التحجُّج بحجَّة أخرى تخدم غرض اتّهام سورية والدولة اللبنانيَّة، كما تريد أميركا و"إسرائيل". وفي ضوء هذا الوضع الذي بانت تباشيره، أليس معنى هذا تكرار سيناريو العراق نفسه، بفتح الباب واسعاً أمام التدخُّل الدولي لخدمة مصالح الولايات المتَّحدة، وبعض الدول الغربيَّة، ولخدمة مصالح "إسرائيل"، بوجه خاص؟! فكيف يستقيم هذا مع رفع شعارات الاستقلال والسيادة والحريَّة؟! ثمَّ ما الذي تستفيده "المعارضة" إذا ما تمَّ توقيع عقوبات دوليَّة على لبنان وسورية تحت هذه الذريعة؟!

           المطلب الآخر الذي لا يقلُّ خطورة هو مطلب "إقالة الأجهزة الأمنيَّة"!(هكذا يُطرح على ألسنة مسؤولين في "المعارضة"). أليس هذا نوعاً من اختصار الطريق والذهاب مباشرة إلى آخر الشوط في السيناريو العراقي؟! أي إلى المرحلة التي اتَّخذ فيها بول بريمر قراره الشهير بحل الجيش والأمن العراقيّين؟! ولم يكن ذلك القرار ناجماً، بالطبع، عن سوء تقدير ،كما يشاع، بل كان خطوة ضروريَّة وأساسيَّة على طريق إعادة صياغة الدولة العراقيَّة على أسس كولونياليَّة تضمن أولويَّة المصالح الأميركيَّة على ما عداها في العراق، بما في ذلك مصالح العراق نفسه وشعبه، من خلال ترتيب آليَّة سياسيَّة وإداريَّة وقانونيَّة وخلق أجهزة تضمن استمرار سيطرة النخب الكومبرادوريَّة على الحكم والدولة. وفي لبنان هناك فئات سياسيَّة واقتصاديَّة تطمح لإعادة إخضاع الدولة اللبنانيَّة لهيمنة الكمبرادور المرتبط بالغرب. وقد أُضيفتْ لها، في ظلّ فوضى الحرب الأهليَّة، وفي ظلِّ مرحلة الإعمار التي تلتها، عناصر وفئات جديدة، رأينا بعض أمثلتها في الاصطفافات السياسيَّة الجديدة التي بدت مفاجئة والتي نشأت في السنوات الأخيرة.

التعليق