أوروبا والشرق الأوسط : الحاجة إلى الوضوح

تم نشره في الاثنين 21 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

      يبدو ان العلاقات الأوروبية الأميركية في طريقها إلى الانفراج وإعادة ترميم ما لحق بالتحالف التاريخي عبر الأطلسي من تصدع خلال السنوات القليلة الماضية، ولما كان الشرق الأوسط وأزماته المتتالية الساحة الرئيسية للخلافات التي رفعت أمواج الأطلسي وزادت الحواجز بين الطرفين، فإن الشرق الأوسط الممدد في هذا الوقت على طاولة المصالح الجديدة بانتظار صياغات اخرى  للأدوار تتلاءم مع ما يجري على الأرض ومع ما تشهده الخرائط والمصالح من تغيرات تحتاج الى الوضوح في السياسات والأهداف من قبل طرفي المعادلة على ضفاف المتوسط أكثر من أي وقت مضى, مما يعني التساؤل حول مستقبل السياسات الأوروبية في المنطقة التي سعت منذ التسعينيات إلى الاستقلال عن الولايات المتحدة أي رؤية أوروبا الموحدة لمصالحها في الشرق الأوسط, ورؤية العرب في المقابل لمصالحهم مع الاوروبين بعد ما حصده الطرفان من تمرين الحرب الأميركية الأخيرة.

     بقيت علاقات أوروبا بالشرق الأوسط والعالم العربي تحديداً تتقلب بين اللحاق بالسياسة الأميركية ومحاولة الاستقلال والغموض، ومع دخول عقد التسعينيات بدأت أوروبا محاولات متتابعة لبناء سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، على خلفية بروز تهديدات ومصالح جديدة في المنطقة, لعل اهمها تصاعد المد الأصولي في المنطقة ومستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي واحتمال تعرض امدادات النفط القادمة إلى أوروبا من الخليج إلى الانقطاع، ولعل رغبة أوروبا في إصلاح الأوضاع في العالم العربي تعد أقدم من المشاريع الأميركية وأكثر جدية والتزاماً أخلاقيا وحضارياً.

     ومنذ انعقاد مؤتمر مدريد في اكتوبر1991 وبعد اتفاقية ماستريخت عام 1992 أخذت السياسات الأوروبية بالتبلور في مسارات التسوية في المنطقة وشهدت الأعوام 1993 إلى 1996 بعض التنسيق وتقاسم الأدوار بين الاتحاد الأوروبي الداعم للسلطة الوطنية الفلسطينية والدور الأميركي الداعم لإسرائيل، لتشهد السنوات التالية تحديات جديدة أهمها تخلي الولايات المتحدة عن التدخل بين الفلسطينيين والإسرائيلين واعتراضها على المواقف الأوروبية التي طالما قالت إسرائيل بأنها اقرب إلى وجهات النظر العربية .

     وعلى الرغم من تبني أوروبا سلسلة من المبادرات فلقد كان مصير هذه المبادرات الفشل وعدم التأثير في تطور الأحداث, وأهمها الدعوة إلى عقد مؤتر دولي جديد حول الشرق الأوسط، وذلك بسبب الرفض الإسرائيلي والممانعة الأميركية وغياب وحدة الموقف العربي.

     لقد جربت أوروبا الاستقلالية الاستراتيجية في مواقفها عن الولايات المتحدة بشكل واضح وأكثر جرأة في الشرق الأوسط وبالتحديد في الموقف من الحرب الأميركية على العراق والموقف من ملف التسلح النووي الإيراني. وفي المرتين كادت المواقف الأوروبية ان تصل الى قمة التصعيد ثم تأخذ بالتراجع نحو تسويات ناقصة, في الوقت الذي تتقدم فيه الولايات المتحدة وتتجاوز مواطن النفوذ التقليدية لأوروبا في المنطقة كما يجري اليوم في المغرب العربي حيث يزداد النفوذ الأميركي ومن امثلة ذلك ما يتردد منذ فترة عن نية الولايات المتحدة إنشاء قواعد عسكرية على الشواطئ الجنوبية للمتوسط.

     تتنازع أوروبا مصالح ومخاوف واسعة في بناء المجال الحيوي المتعدد الأطراف شرق المتوسط وجنوبه, وهو الواقع الذي تلخصه معادلة الرغبة وعدم القدرة، وتبرز في هذه الأثناء المناورة الأوروبية بالاعتماد على القوة الاقتصادية، حيث يعتقد الأوروبيون ان اليورو سيصبح العملة الأهم في المنطقة خلال السنوات القليلة القادمة، بسبب ارتفاع نسب التبادل التجاري بين منطقة اليورو الأوروبية والشرق الأوسط والتي وصلت إلى 22% من إجمالي التجارة الخارجية بين الشرق الأوسط والعالم.

      لقد مرت العلاقات الأوروبية العربية بثلاثة أجيال من التفاعلات؛ أولها التفاعلات في أجواء الحرب الباردة والتي شهدت بداية الحوار العربي الأوروبي واتسمت بتفاعلات كثيفة في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، والمرحلة الثانية هي مرحلة انتقالية احتلت النصف الأول من عقد التسعينيات والمرحلة الثالثة التي تتسم بالشراكة الأوروبية المتوسطة والتي شملت عملية الشراكة الأوروبية المتوسطية (عملية برشلونة) والمحور الاقتصادي من خلال إنشاء منطقة التجارة الحرة وتحقيق التعاون الاقتصادي والتنسيق الإقليمي والمحور الاجتماعي الثقافي ودعم التنمية البشرية والتعايش بين شعوب وثقافات المنطقة.

      وعلى الرغم مما وصلت إليه العلاقات من تقدم خلال السنوات القليلة الماضية ربما يعد الأفضل منذ أكثر من خمسة قرون حينما اتسمت هذه العلاقات بالصراع والهيمنة والرغبة في الاستحواذ, الا ان التفاعلات السائدة ما تزال تعاني من الريبة المتبادلة والغموض حيث تندمج المصالح بالمخاوف في ضوء ازدياد حدة التطرف وصعود التيار الأصولي ويرتبط بذلك شبكة معقدة من الحسابات تمتد من القرب الجغرافي وحركات الهجرة ولا تنتهي عند الخبرات الصراعية والتعاونية .

    إن المؤشرات الراهنة غير مشجعة على استمرار توالي صعود النجم الأوروبي بفرض سياسات مستقلة في الشرق الأوسط وذلك بالعودة الى المعطيات الآتية.
اولاً: إصرار الولايات المتحدة على فرض العزلة الاستراتيجية على الشرق الأوسط, وذلك بإزالة الحواجز بين هذه المنطقة والولايات المتحدة, ورفعها مع العالم أي ان المطلوب ان تبقى الولايات المتحدة اللاعب الوحيد ودون منافس حقيقي في الشرق الأوسط .

ثانياً: استنزاف إسرائيل لمصالحها التقليدية مع أوروبا ورغبتها بإعادة تأهيل هذه المصالح في سياق سياسات اللالحاق الأميركية لأوروبا.

ثالثاً: عجز النظم والنخب العربية عن تحديد مواقف وسياسات واضحة حيال المصالح المتبادلة مع الاتحاد الأوروبي, وعدم القدرة على حسم الكثير من الخيارات الاستراتيجية, بالمقابل تعاني أوروبا من عدم الوضوح وعدم الرغبة في كشف أوراقها بالكامل وحقيقة نواياها حيال الشرق الأوسط .

التعليق