صناعة الجغرافيا الفاشلة

تم نشره في الاثنين 21 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

      يرغب العديد من المثقفين العرب الذين استعادوا نضوجهم السياسي واكتشفوا جذور فلسفتهم الواقعية أن يتسع إدراك الشعوب العربية قليلاً وتعترف بأن مرحلة الاحتلال الأميركي للعراق ما هي إلا بداية الحراك المستقبلي وتفجّر التنوير الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط عموماً والمشرق العربي على وجه الخصوص، نحو افتتاح عهد التغيير إلى الأفضل، الذي سيؤسس للحظة الواقعية السياسية الجديدة في حل المشكلات والقضايا الوطنية والقومية العالقة، التي فشلنا في إيجاد الحلول لها. وتسجيل انطلاقة صحيحة للتعامل مع الغرب وأميركيا بروح واقعية، على غرار شعوب عديدة سبقتنا مثل ألمانيا واليابان، ودخلت منظومة العلاقات الدولية الجديدة بعد مؤتمر يالطا وانتهاء الحرب العالمية الثانية. وأحرزت لنفسها مكانة جديرة بالإعجاب. وان هذا التغيير الضروري الذي يأتي برافعة أميركية يُبشر بولادة عالم عربي جديد، تقود فيه الأنظمة السياسية دولها وشعوبها العربية على طريق الإصلاح والديمقراطية.

       ويراهن هؤلاء كثيراً على خطابات النوايا الأميركية التي برزت عبر ما يُسمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير، ويعتبرون أن الانتخابات التي جرت في العراق من شأنها ان تنتزع الاعتراف ان لم يكن الإعجاب عاجلاً أو آجلاً من الشعوب العربية المحرومة من الديمقراطية والحريات، فالنموذج الديمقراطي الذي تصنعه أميركيا في هذا البلد سيكون مثالاً يحتذى تتوق إليه هذه الشعوب وتتمناه، وهنا لا ينسى هؤلاء ان يسخروا من الأفكار التي تتحدث عن مشروع الهيمنة الأميركي على المنطقة بكاملها، حتى وان كانت هذه الأفكار تصدر عن مُحللين واستراتيجيين أميركيين وغربيين.

       يعتقد الواقعيون الجدد من العرب أن القصور السياسي والجمود الإيديولوجي، والرومانسية الحالمة للأفكار الكبرى التي حملتها القوى السياسية والنخب الثقافية ذات الميول اليسارية، جميعها عوامل خلقت حالة انعدام الرؤية بخصوص التوفيق بين مصالح أميركيا في العالم العربي وبين مصالح العرب الحيوية. وإذا كانت أميركيا قد اضطرت إلى أن تكون موجودة اليوم في المنطقة العربية لضمان مصالحها القومية، بالرغم من كثرة أصدقائها فيها، فلماذا لا تعطي الفرصة التي ترغب بها في مساعدتنا نحو الإصلاح والحكم الرشيد، طالما عجزت دولنا القطرية من داخلها من القيام بهذه المهمة. وستكون هذه الخطوة بالتأكيد بداية لعلاقة ناضجة مع أميركيا والغرب يكون أساسها المصالح الاستراتيجية المتبادلة.

       الولايات المتحدة ليست كائناً رسولياً يُنذر نفسه لمساعدة الضعفاء والمقهورين، وهي بالتأكيد ليست مُقايضاً عادلاً ومُنصفاً في قضية المصالح لأنها تتصرف كأي استعمار صريح في ظل تفردها، ويجب ألا ننسى ولو للحظة واحدة أن المصالح الأميركية لا يمكن فصلها عن المصالح الإسرائيلية بسبب البنية العضوية المعقدة بينهما.

       ما ُيؤسَف له حقاً أن بعض العرب أصبحوا لا يؤمنون في ظل العجز الفاضح في وعيهم التاريخي لا بالفكرة العربية ولا حتى بالحد الأدنى من السيادة الوطنية، ويهزأون من فكرة المجتمع الوطني أو القومي العربي، وينظرون إلى كل الأساليب المشروعة لمناهضة ومقاومة مخططات الهيمنة الأميركية على العرب، بكونها أفكارا عدمية لا طائل من ورائها، وان الخيارات الوطنية والقومية ما هي إلا خرافة قديمة، ونحن هنا لسنا بصدد المجادلة في حقائق القوة الأميركية، ولكننا نعجب من (واقعية) ساذجة ُتسوَق الحتمية التاريخية في نموذجها الأميركي، وتسعى جاهدة إلى التيئيس والمصادرة على حركة التاريخ والشعوب.

       وإذا كان النموذج الأميركي في العراق لم يُسفر حتى الآن عن حالة مُبشرة أو مطمئنة فلماذا التسرع بالاستنتاجات الكبيرة المتفائلة؟ من قبيل أن رياح الواقعية أخذت تهب أخيراً على العرب، وإنهم مُقبلون على تغييرات وتطورات ايجابية سوف يجنون ثمارها في المستقبل القريب، لمجرد أنهم أحبوا ان يروا في الانتخابات العراقية بداية لنهاية الطغيان والاستبداد في العالم العربي. وليس من المستغرب ان يطلع علينا من يقول إن المشروع النهضوي العربي كان يسير دائماً في طريق خاطئة او زائفة، كونه يفتقد دائماً إلى رافعة مادّية تتمثل باحتلال من وزن أميركي يصنع التغيير القسري، وعندئذ سيكون الاحتلال هو الشرط الضروري او المنطقي للنهضة والتغيير في العالم العربي.

     أميركا دولة تفكر بمصالحها، والحقيقة ان هذه المصالح لها وسائلها وطرقها الكثيرة، لدرجة أنها تجعل قادتها السياسيين يفكرون بكل السيناريوهات المحتملة، طالما أن حسابات الربح والخسارة هي التي تؤسس للبراغماتية السياسية الأميركية، وهي بدون شك تمارس تمرينا تجريبيا لترتيب نظام العلاقات الدولية.

    ومن المحزن أن هذا التمرين يجري على أرض عربية هي العراق، والذي قد يشكل انطلاقة طويلة لهذا التمرين، يطال الجغرافيا او الجيوبوليتيكا الشرق أوسطية. وليست انطلاقة نحو الديمقراطية والتحرر من الطغيان كما يشاء الواقعيون الجدد من العرب ان يروجوا للخطاب الدعائي للرئيس بوش.

      في ضوء هذا التمرين فليس من المستبعد او المستغرب ان تعمد الولايات المتحدة في حال فشل جزء كبير من مشروعها في العراق إلى صناعة جغرافيا فاشلة في المنطقة وطنياً وإقليمياً وقومياً واثنياً، تفكك كل المشتركات الوطنية والقومية عند الشعوب العربية.

التعليق