الفلسطيني هو الخاسر.. دائما وأبدا!!

تم نشره في الأحد 20 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

ما زال أمن إسرائيل كما حددته "خارطة الطريق" الموضوع الأهم في الأوساط السياسية الرسمية، وخاصة الفلسطينية التي لم تتوقف عن الإعلان بقبولها للخطة، كما جاء في المقابلة التي أجرتها مجلة "دير شبيغل" الألمانية مؤخرا مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس عندما قال: "خارطة الطريق واضحة في هذا الشأن: لا سلاح غير شرعي"، وذلك بعد الإشارة إلى أنه لن تكون هناك مشكلة مع حركة "حماس" فيما إذا تحولت إلى حزب سياسي.


   تستمد "خارطة الطريق" تصورها لـ "التسوية الشاملة" من اقتراح للرئيس الأميركي جورج بوش ذكره في خطابه في حزيران عام 2002 عندما قال: "من أجل الحصول على الأمن الذي تنشده إسرائيل من الضروري التوصل إلى دولة فلسطينية مستقرة ومسالمة. لهذا أطالب إسرائيل بأن تتخذ خطوات ملموسة لدعم نشوء دولة فلسطينية جديرة بالثقة وقابلة للحياة". و"خارطة الطريق" هي تفصيل موسع من ست صفحات لما قاله بوش في خطابه، رغم أن ذلك لم يتجاوزهاتين الجملتين.


   "الأمن" هو الكلمة السحرية التي تموه حقيقة وضع يكرس الاعتداء المستمر على الفلسطينيين والعرب. وعندما يدور الحديث عن "الأمن" تظهر إسرائيل وكأنها تسعى حثيثا لإقرار حالة تعمها الطمأنينة والأمان ولا يعكر صفوها إلا الفلسطينيون، الذين لا يفهم أحد لماذا يقومون بما يقومون به من أعمال شريرة، وكأن الشر متأصل فيهم. 


   "خارطة الطريق" توضح بأمانة ما هو المقصود بـ "الأمن" في عبارة الرئيس الأميركي، ففي المقدمة نقرأ: "إن حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني الذي يعتمد على دولتين لا يمكن الوصول إليه إلا بوقف العنف والإرهاب وذلك بأن يكون لدى الشعب الفلسطيني قيادة تجابه الإرهاب بحزم، وتكون راغبة في، وقادرة على، فرض الديموقراطية المعتمدة على التسامح والحرية...". و"الخطوات الملموسة" في عبارة بوش تفسرها "خارطة الطريق" كما يلي: "ومن خلال استعداد إسرائيل لأن تقوم بكل ما هو ضروري حتى يصبح بالإمكان تأسيس دولة فلسطينية ديموقراطية...". ويلاحظ في الفقرة الثالثة من المقدمة العبارة التالية: "ستؤدي التسوية التي يتفاوض حولها الطرفان إلى إنشاء دولة فلسطينية قادرة على الحياة، ديموقراطية، ومستقلة" وهو ما يقابل كلمات الرئيس الأميركي "دولة فلسطينية جديرة بالثقة وقابلة للحياة".


   في التفاصيل توصف المرحلة الأولى بالعمل على "إنهاء الإرهاب والعنف وإعادة حياة الفلسطينيين إلى مسارها الطبيعي وانشاء المؤسسات الفلسطينية"! وفي المقدمة لهذه المرحلة نقرأ: "يقوم الفلسطينيون على الفور بوقف غير مشروط للعنف حسب الخطوات المحددة أدناه". وكما في خطاب الرئيس الأميركي يقول النص: "هذا العمل ترافقه تدابير داعمة تقوم بها إسرائيل". ويتابع النص بأن على الفلسطينيين أن يقوموا بإصلاحات سياسية شاملة تحضيرا لـ "كيان الدولة" (statehood)، وهو مفهوم غائم قد يعني دولة أو جزءا من دولة أكبر كإسرائيل لكنه يتمتع بحكم ذاتي!


   أمن وسلام إسرائيل؟ نعم، هذا ما يتضمنه أيضا النص الأساسي للمرحلة الأولى من "الخارطة": "تقوم القيادة الفلسطينية بإصدار بيان لا لبس فيه يؤكد على حق إسرائيل بالوجود في سلام وأمن، ويطالب بوقف فوري وغير مشروط لإطلاق للنار، من أجل إنهاء النشاط العسكري وجميع أعمال العنف ضد الإسرائيليين في كل مكان". وبالمقابل يطلب من "القيادة الإسرائيلية أن تصدر بيانا لا لبس فيه تعبر فيه عن التزامها برؤيا دولتين، أي دولة فلسطينية ذات سيادة، قادرة على الحياة، ومستقلة تعيش بسلام وأمان إلى جانب إسرائيل، كما عبر عن ذلك الرئيس بوش...". وإذا ما تركنا لاختصاصي قانوني الحكم على عبارة دولة "ذات سيادة، قادرة على الحياة، ومستقلة"، فإنه سيقول على الأغلب ان ادراج هذه الصفات إلى جانب بعضها بعضا هو أمر مبهم ويؤثر على مفهوم الدولة المنشودة. وأخيرا نقرأ مطلبا من الإسرائيليين يشابه ما طلب من الفلسطينيين: "وقف فوري للعنف ضد الفلسطينيين في كل مكان". ويلاحظ هنا عدم التكافؤ بين الطرفين، فالفلسطيني يطلب منه أن ينهي "النشاط العسكري وجميع أعمال العنف" في حين يقتصر ذلك في الجانب الإسرائيلي على كلمة "عنف"، وكأنه يمكن وقف العنف دون وقف النشاطات العسكرية.


   الفلسطيني، هو الخاسر مهما حصل، وبغض النظر عن الظلم الذي لحق به! كان كذلك في الماضي .. وما زال كذلك حتى اليوم، مثلا في قرار الجمعية العامة رقم 194 الصادر بتاريخ الحادي عشر من كانون الأول العام 1948، وهو القرار الشهير الذي يفترض أنه يتضمن "حق العودة"، هذا الحق الذي أصبح على لسان الجميع منذ بداية الانتفاضة الثانية، والذي اعتبر البعض أن المطالبة به كانت أحد أسباب فشل مفاوضات كامب دافيد الثانية. في البداية لا بد من الإشارة إلى أن القضية المطروحة في ذلك القرار لم تكن "حق العودة" للفلسطينيين، وإنما مناقشة تقرير وسيط الأمم المتحدة فولك برنادوت، الذي قتلته منظمة إرهابية يهودية في السابع عشر من أيلول من العام نفسه. والقرار يعنى بالدرجة الأولى بتأسيس "لجنة توفيق فلسطين" وهي اللجنة التي ستتولى أو تكمل المهام التي أوكلت إلى الوسيط. عبارة "حق العودة" هي صياغة من خارج القرار وغير دقيقة لما احتواه حول "السماح" للاجئين بالعودة إلى فلسطين إذا كانوا يرغبون بذلك، بدون إيضاح من هي الجهة المطلوبة التي ستسمح بتحقيق هذه العملية.


   يقول القرار 194 حول هذه "العودة" ما يلي: "ينبغي أن يسمح للاجئين الراغبين بالعودة إلى بيوتهم (homes) والعيش بسلام مع جيرانهم وأن يقوموا بذلك في أقرب فرصة عملية ممكنة ...". والكلام هنا عن لاجئين يعودون إلى بيوتهم دون وجود أي إشارة إلى وطن أو أرض تخص هذا الشعب. أضف إلى ذلك أن القرار لا يتكلم عن "حق عودة"، وإنما السماح بالعودة. الكلمة الإنجليزية التي تشير إلى الأرض الفلسطينية هي "بيوت" وهي حسب السياق لا تقصد حتى "ديار" بمعنى "وطن"، كما يرى البعض. القرار لا يؤكد عمليا شرعية "إسرائيل" فحسب، بل يفترض أيضا أن السكان الأصليين هم أيضا الإسرائيليون، أما الفلسطيني فسيعود إلى "بيت" وعليه أن يعيش بسلام إلى جانب جاره. هنا "الجار" الذي سيعيش الفلسطيني إلى جانبه هو المسالم الباحث عن الأمن والسلام، وليس العكس! مفهوم "الجار" هذا يتكرر في "خارطة الطريق" ولكن الآن بالنسبة للعرب في إشارة إلى مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبد الله التي تدعو، حسب "خارطة الطرق"، إلى القبول بإسرائيل "كجارة تعيش في سلام وأمن"!


   يعتمد تنفيذ "خارطة الطريق" على أداء الطرفين، وتوضح أن أي تقدم بهذا الصدد يتطلب بذل الجهود المخلصة من الطرفين ويعتمد على إذعانهما لكل التزام من الالتزامات المحددة فيها. الصياغة فضفاضة وتعكس عمليا النوايا الحقيقية لواضعيها. الخطة تعتمد على الأداء، وكذلك القرار رقم 194 الذي يقرن تاريخ عودة اللاجئين بأقرب فرصة عملية ممكنة، وهذه "الفرصة العملية الممكنة" لا تختلف من حيث المبدأ عن شرط "الأداء" في "خارطة الطريق"، فأي شيء وخاصة في "الأداء" الفلسطيني يمكن أن يستغل كحجة لتأجيل تنفيذ الخطة. فحسب "تفاهمات" قمة شرم الشيخ الأخيرة كان المفروض أن تسلم أريحا للسلطة الوطنية الفلسطينية، ولكن المباحثات الفلسطينية الإسرائيلية الأخيرة حول هذا التسليم منيت بالفشل. وأخيرا سلمت أريحا ولكن بدون قرية العوجا القريبة التي بقيت تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية. أثناء المباحثات قال الإسرائيليون أن مطالب الفلسطينيين "كبيرة جدا"... كبيرة بحجم قرية العوجا لكنها ليست بحجم حيفا ويافا وعكا وبيسان ... والقدس!    

التعليق