تزاوج الاصلاح السياسي والأمني في العالم العربي !

تم نشره في الأحد 20 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

    الدول العربية التي اعتنقت مسيرة الاصلاح الشامل كهدف استراتيجي خلال القمة العربية الاخيرة – وان كان الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لكل مجتمع سيفرض نفسه على وتيرة العمل- لن تستطيع الاستمرار في الحديث حول نوايا انفتاح سياسي، اذا بقي موضوع اصلاح وتحديث الاجهزة الامنية خارج هذا الاطار.


    فهذان المساران متلازمان ومتلاصقان ولا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض، او عن الهدف الاكبر للعملية التي تهدف إلى ضرورة حماية الأمن الوطني، وأمن المواطن، والاستقرار الداخلي والمنجزات المتحققة، لتعزير مسيرة التنمية والتحديث بطريقة متوازنة تحفظ مصالح الحاكم والمحكوم.


    فحالة الطوارئ المفروضة على معظم العالم العربي لعقود، لم تعد تجلب الأمن والاستقرار، وانما ساهمت في تفكيك المجتمع وتنميط المواطنين، وخلق ردة فعل عكسية تجاه السلطة قائمة على الحقد والكراهية والانتقام وغياب الاندماج الوطني وهو تحد ممكن ان تستعمله القوى الخارجية.. وساهمت حالة الطوارئ عن الغاء الدساتير، وتجميد القوانين واعطاء اجازة للقضاء المدني، وتغول الاجهزة الامنية على كافة القطاعات واضعاف الحركات السياسية عبر السجن او الملاحقة، والسيطرة على الاعلام في محاولة لتوجيه عقل المواطن ، وسيطرة ثقافة الخوف والانمالية (أنا مالي) على عقل الناس وافرزت خرابا اخلاقيا ونفسيا وانهيارا للقيم، في ظل تحييد المراقبة البرلمانية .


    هذا الموضوع الشائك كان محور ندوة مغلقة وهامة نظمت في عمان قبل عدة اسابيع بالتعاون ما بين مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية ومركز جنيف للسيطرة الديمقراطية على القوات المسلحة.


    وركزت الندوة حول مفهوم جديد يروج له المعهد الاوروبي يتمحور حول "تمدين الامن والعسكر"، أي تغليب الصفة المدنية على هذا القطاع الأمني الواسع، لان ذلك يساعد على زيادة الشفافية والمساءلة للميزانيات السرية وغير الخاضعة لرقابة الحكومة اوالبرلمان. فاستمرار هذا النهج يساعد على استشراء ثقافة التواطؤ والسرية داخل الاجهزة، والتي قد يرتكب باسمها كافة اشكال وانواع ممارسات الفساد وخرق حقوق الانسان، واستعمال منطق القوة والقمع.


    ويقول المهعد ان ذلك التحول ضروري للدول التي تقف على أبواب مراحل تغيير وتحديث، لانه في الانظمة العالمية الديمقراطية فان الساسة وليس العسكر هم الذين يأخذون قرارات مصيرية مثل شن حرب او اقرار معاهدة او تغيير سير وجهة واولويات الاجندة الداخلية. ويسير ذلك بالتنسيق وبالاعتماد على الاجهزة الأمنية التي أصبحت رافعة وقوة لتحقيق ذلك.


   كل ذلك الحديث الشيق والحساس والمسؤول جرى بين المعهد وعدد محدود من مسؤؤلين أمنيين أردنيين سابقين وحاليين من رتب عالية، وممثلين عن المجتمع المدني في مناقشات جرت داخل حرم جامعة حكومية في ظاهرة يقول د. حمارنة انها ربما تكون الاولى في العالم العربي.


    والمأمول ان يعكس الاردن روحه الريادية والمبادرة وان يتحرك وربما يعلن مباررة عربية على شكل رسالة حول ضرورة بدء الحديث عن الاصلاحات الامنية في العالم العربي، على غرار رسالة عمان الاخيرة التي دعت الي الوسطية والاعتدال الديني بوجه الارهاب الذي بات يمارس احيانا كثيرة باسم الدين ويشوه صورة العرب والمسلمين أينما كانوا.


    وباستطاعة مبادرة كتلك التكلم عن خطوط عريضة لادخال اصلاحات خلاقة ومفاهيم لحصر دورها بالمسؤوليات الأمنية الأساسية، ومحاولة توطيد التعاون والتكامل بين الاجهزة بدل من التنافس، وفك التشابك بين الأمن من جهة والاعلام والتربية والتعليم والتعيينات الرسمية في المناصب العليا، وتدخلات أخرى، واشراك لمجلس الوزراء والبرلمان في مراقبة ميزانياتها، الى ما غيره من اجراءات تعزز الشفافية، اضافة الى تطوير الكفاءة للعاملين على تطبيق القانون، سواء تحسين الخلفية العلمية لهم وتدريبهم على حق المواطن الذي يظل بحاجة الي اجهزة أمن أكثر كفاءة لتعينهم على خلق بيئة ملائمة للمشاركة في الحياة السياسية بطريقة سلمية قانونية.


     ومؤخرا، برزت حولنا امثلة عن محاولات اصلاح وتوحيد للاجهزة الامنية، في فلسطين والعراق، وهما دولتان تحاولان بناء مسيرة استقلال سياسي واعادة اعمار شامل، من الاحتلال. وساعد على دهم تلك الجهود الاصرار الخارجي على بناء دولتي القانون والمؤسسات كي يساهم ذلك في توطيد الامن والاستقرار العالمي، اضافة الى تحديات داخلية من بينها ضعف وتشرذم المؤسسات الامنية ومزاعم حول تداخل الولاءات، وضعف قابلية تطبيق القانون وحفظ النظام، ونقص في القدرات والكفاءات الشرطية والاستخباراتية والعسكرية.


    بالمقابل، فان معظم الدول العربية تعيش وضعا مغايرا حيث تعاني من التخمة الامنية، وسط تقاطعات واحيانا كثيرة تواطؤ بين المؤسسات السياسية والعسكرية والامنية، وسط شكاوى من ازدياد القدرات القمعية لمعظم الأجهزة والقائمين عليها، اما لمواجهة العدو الداخلي الجديد الناتج عن تنظيمات دينية متشددة (مثل جماعة بن لادن وابو مصعب الزرقاوي)، او تحديات اقتصادية، او غياب الحريات الاساسية ، بالاضافة الى التحديات والعالمية.


   فبدون اصلاحات أمنية لن تحقق أية اصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية وادارية وقضائية باتت كمجتعاتنا بأمس الحاجة اليها في عالم داخلي متغير وخارجي مضطرب.

التعليق