الحكومة والنقابات وأزمة الثقة

تم نشره في الأحد 13 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

يحتدم الجدل بين النخب السياسية حول مشروع قانون النقابات المهنية الذي عرضته الحكومة على مجلس النواب آخذاً صفة الاستعجال. هناك من يعتبره تعديا مقصودا ومبيتا على حقوق مكتسبة للنقابات التي اعتادت على تسيير امورها من خلال تعليمات داخلية منذ عقود طويلة.

منتسبو النقابات المهنية لديهم قناعات راسخة بان لهم اسهامات كبيرة في تطور العمل السياسي والمهني. وارساء اسس الديمقراطية. ودعم  حقوق الانسان والحريات العامة على الصعيد الداخلي. كذلك الوقوف مع الحركات التحررية في الساحة العربية والعالم باسره. ومواقفهم معروفة عندما تتعرض اي من الدول العربية للمخاطر او حدوث الازمات.

في المقابل هناك من يرى ان النقابات المهنية تخلت عن الاهداف الرئيسية التي تأسست من اجلها. وتحولت الى الشأن السياسي واخذ هذا الجانب جل اهتماماتها. لا بل تجاوزت ذلك الى حد تهديد الامن الوطني في كثير من المواقف.

وما تدخل وزارة الداخلية الا لضبط الامور. وذلك لوضع حد للتجاوزات خشية تفاقم الموقف، وخلق حالة من الاحتقان الدائم قد تؤدي الى الانفلات الذي يستدعي علاجه استخدام وسائل غير ديمقراطية. وما ينتج عنها من اثار سلبية على الصعيدين الرسمي والشعبي. وبالتالي ادراج اسم الاردن ضمن قائمة الدول التي لا تراعي حقوق الانسان.

 وجدت الحكومة نفسها مضطرة لاستعمال حقها الدستوري. الذي يخولها تقديم مشروع قانون الى مجلس النواب ينظم عمل النقابات المهنية. ويعالج الاختلالات وينهي حالة الاحتقان وازمة الثقة.

الحكومة استعملت حقها في اعداد القانون وعرضه على مجلس النواب وهي مسؤولة عن تصرفاتها. مجلس النواب له حق القبول او التعديل او الرفض وفي جميع الحالات يرفع المشروع الى مجلس الاعيان. ولا يصدر القانون الا اذا اقره المجلسان وصدق عليه الملك.

مشروع القانون هذا مهما كان وصفه تعاملت معه الحكومة كما يقتضيه الدستور. ووضعت الكرة في ملعب السلطة التشريعية صاحبة الولاية. علماً ان الدورة العادية لا تزال منعقدة اي انها لم تصدر القانون على شكل قانون مؤقت. ومما يجدر ذكره ان عددا غير قليل من اعضاء السلطة التنفيذية والتشريعية نقابيون بالاصل . وحق الرأي مكفول. الكل يدلي بدلوه بين معارض ومؤيد من خلال الصحافة والفضائيات والندوات والصالونات السياسية .

مشروع القانون هذا وحتى في حال اقراره لن يكون نهاية المطاف. فللسلطة التي اقرته الحق في اعادة النظر اذا استدعت الحاجة. ولا اعتقد انه اهم من مشروع قانون المعاهدة مع اسرائيل التي كان الحديث فيها من المحاذير. لكن مشروع القانون اقر لان المصلحة الوطنية تتطلب اتخاذ قرارات جريئة تنسجم مع العقل وليس العاطفة. وقد تكون الخيارات المتاحة فقط السيئ والاسوأ . فالحكمة تقتضي اختيار السيئ؛ اذن لا بد من الاختيار.

بالنسبة لقانون الصوت الواحد فهو معتمد منذ انتخابات المجلس النيابي الثاني عشر 1993 وكذلك اعتمد في الانتخابات البلدية. قوانين الانتخابات تسن عادة حسب الظروف والاحتياجات. ما يصلح في بلد قد لا يصلح في بلد اخر. وما تقبل به قد لا يقبل به غيرك. المعيار هو رأي الاغلبية والقوانين يجب ان تخدم الصالح العام وتواكب المستجدات. لا يوجد قوانين مثالية يمكن تطبيقها في كل زمان ومكان.

مثال ذلك اسرائيل التي يعتبرها الغرب عنوان للديمقراطية. تجد القوانين فيها متجددة وباستمرار وعلى الرغم من ذلك فالحكومة "حكومة اسرائيل برلمانية" تعاني من مشكلة تحكم الاحزاب الصغيرة بالاحزاب الكبيرة، بسبب ضرورة تجاوز حاجز الثقة. وكذلك انتخابات الرئاسة الاميركية يوجه لها النقد للقناعة بانه قد يصل الى كرسي الرئاسة مرشح حاصل على عدد اصوات اقل من المرشح الخاسر.

فلنحتكم الى القانون المتمثل بالسلطة التشريعية التي احد عناصرها مجلس الامة "الامة مصدر السلطات" . ولنحذر افتعال الازمات التي اذا اشتعلت يصعب اخمادها. المعادلة دقيقة ويجب التعامل معها على هذا الاساس والظروف غير العادية بحاجة الى اجراءات غير عادية . وما هذا الجدل الذي نسمعه ونراه الا عنوان من عناوين الديمقراطية التي تخطينا فيها مراحل متقدمة في وقت الذي تنشدها شعوب كثيرة .

القانون بين يدي السلطة التشريعية المؤلفة من مجلسين. فاذا كان اعضاء احد المجلسين يناورون لدغدغة مشاعر قواعدهم الانتخابيةفاعتقد ان المجلس الاخر المعين من الذوات سينحاز الى الواقع. وستخرج المحصلة متفقة مع الصالح العام.

التعليق