قانون النقابات... الحلقة قبل الاخيرة!!

تم نشره في الأحد 13 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

  يدخل مشروع قانون النقابات المهنية عصر اليوم مرحلة الحسم في مجلس النواب الذي سيحدد شكل التعامل معه من رد او قبول او احالة الى اللجنة القانونية لدراسته, لكن هذا المشروع اخذ شكلا وحجما ودلالة تتجاوز معظم القوانين, فهو من القوانين السياسية التي ارادتها الحكومة لحل مشكلة النقابات التي تعتقد انها موجودة وتعاني منها, بل انه تجاوز الحكومة ليكون خيارا في ادارة قضية انشغلت بها ساحتنا سنوات طويلة.


  ومشكلة الحكومة انها تخسر حلفاءها من خصوم الاسلاميين في النقابات, وتحديدا بعض قوى اليسار والنخب الاخرى, لأن هذه القوى مارست حضا وتحريضا ضد النقابات, وقدمت رؤيتها باعتماد فكرة القائمة النسبية للانتخابات, لكن هؤلاء خذلوا وتم القفز الى الصوت الواحد الذي تراه اوساط في دوائر صناعة القرار حلا مناسبا تم استخدامه في العمل النيابي والجامعات واخيرا في النقابات.
  وربما فوجئت بعض اوساط الحكومة بحجم الرفض لفكرة الصوت الواحد لدرجة ضاعت معها موافقة فئات كثيرة على معظم مواد القانون, لكن الحكومة دفعت الثمن السياسي والاعلامي لهذا القانون, ومنه محاولة بعض اقطاب الحكومة الانسحاب من ساحة القانون, حتى خيل للناس ان القانون تم وضعه على حساب وزير الداخلية وانفق عليه من جيبه الخاص, او كما قال احد الزملاء وكأن القانون وضعه اهل قرية راكين بلدة الوزير الحباشنة, علما بأنه قانون الحكومة ووافق عليه كل الوزراء ويتحملون كل وزره وسلبياته فهو قانون يمثل النظام السياسي.
  المعارضة الواسعة التي قادتها النقابات وقوى سياسية للقانون قامت على اساس انه مشروع مناقض للديمقراطية, ومصدر خطر على بناء مؤسسة النقابات وانجازاتها, وهذه المعارضة وضعت المعركة في اطار سياسي ديمقراطي لا يقلل منها ذلك النقاش الفني التفصيلي, وحتى فكرة القائمة النسبية التي قبلتها النقابات مؤخرا فإنها ليست اختراعا جديدا, بل كانت جزءا من توصيات لجان الاردن اولا, ولهذا فإن الصيغة الحقيقة لمشروع القانون انه قانون سياسي وجزء من صراع لما يعتقد انه تشوه في الحياة العامة, ولا يخضع لحسابات قوانين اخرى تترك لمجالس النواب للتعديل والنقاش, فكل خطوة تجري على القانون تقدم في اطار الحسابات السياسية وعلى قاعدة الفوز والخسارة, ولا تقاس امور هذه الانواع من التشريعات كما يناقش قانون السير او الاحداث مثلا!


  وما كان على الحكومة ان تفعله سابقا ان تدرس ردود الفعل المتوقعة, وان توزان بين افكار الصوت الواحد والقائمة النسبية, وان تجري حوارات سرية وعلنية لقراءة الخيارات الافضل, لكن اصدار الحكومة للقانون وتقديمه الى مجلس النواب بصفة الاستعجال يعني نظريا انها اخضعته للدراسة والتحليل وقارنت بين الخيارات, اما حديث بعض اوساط الحكومة عن استعدادها للاستماع الى حلول وسط وافكار جديدة, فهذا يعني ان القانون تم وضعه على عجلة من الامر ودون دراسة لابعاده, وهذا يناقض ما يقوله الوزراء المعنيون بأنه القانون موجود منذ عام 2001.


  ان محاولة البراءة من القانون التي يحاول بعض المسؤولين اعلانها, والبحث عن خيارات اخرى تشير الى امرين: الاول ان ادارة مثل هذه الملفات وخطوات وضع التشريعات الهامة تحتاج الى مؤسسية ومنهجية, والامر الثاني ان البعض يحاول توريط وزير الداخلية وحده وكأنه رمز العرفية والقمع وعدو الديمقراطية في الحكومة, فإن كان هناك تراجع عن الديمقراطية في القانون فهذا يلحق بكل وزير كما يلحق برئيس الحكومة, بمن فيهم الصامتون او محاولو الانسحاب.


  من الناحية الفنية التفصيلية فإن القانون يضم ثغرات ولا يحظى بالقبول, لكن من الناحية السياسية العامة فإن المشروع جزء من الصراع السياسي, فرد القانون هزيمة سياسية كبرى للحكومة امام المعارضة وتراجع الحكومة عن الجوهر الذي رأته حلا وضرورة, وهو الصوت الواحد,انتكاسة سياسية, واعتراف بهشاشة آلية وضع القوانين.     

اما ما يقال عن حق مجلس النواب في التعامل مع القانون فهذا صحيح دستوريا, لكن اخفاق الحكومة في تمريره يشير الى ضعف في ادارة علاقاتها وبخاصة انها كانت تقول ان هناك اكثر من خمسين نائبا قدموا لها مذكرة لتعديل القانون, وحتى المجلس فهو ساحة صراع, فالنقابات والمعارضة تمارس عملا مشروعا في محاولة اقناع النواب بوجهة نظرها.


  الحكومة مثل (بالع الموس) كما يقول المثل الشعبي فإن استطاعت تمرير القانون فإنها تحقق انجازا في معركة شرسة لكن بثمن باهظ, وان تم رد القانون او تفريغه من مضمونه الذي ارادته الحكومة, وهو الصوت الواحد, فإنها امام فشل لن يكون مقبولا, فالقانون سياسي ومحاولة لهيكلة معادلات محلية كبرى وليس تشريعيا اداريا, وسنرى اي الخيارات ستنحاز اليه الحكومة: الحلول الانية ام البعيدة المدى!!

التعليق