التعليم ومؤسساته.. بين المفترض وواقع الحال

تم نشره في الجمعة 11 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

يزداد الاهتمام العالمي بشكل خاص في حقل التربية والتعليم وذلك لمخرجاته البالغة الأهمية والتي تنعكس على مستقبل الأجيال ومن ثم الأمة، فها هي وزارة التربية في الحكومة البريطانية تستثمر ملايين الجنيهات الإسترلينية في مشروع لتعليم تلامذة المرحلة الابتدائية "آداب السلوك وحسن التصرف وضبط المشاعر ".

ونعلم أن بريطانيا من الدول الأكثر تقدما في مجالات عدة ، ما يستوقفنا في هذا الخبر أولا أنه جاء بناء على استثمار والاستثمار فيه الكثير من توقع المردود وثانيا استهدافه لطلبة المرحلة الابتدائية وذلك نتيجة لايمانهم بأن التغير إنما يكون أجدى وأكثر نفعا في المرحلة العمرية الأولى، وهذان الأمران يستدعيان التوقف عندهما لأن ما نشاهده وللأسف في مدارسنا هو الإغفال الحقيقي لهذه الفئة العمرية بحجة تبدو للأهل واضحة وهي تصب في عدم إدراك خطورة هذه المرحلة في بناء الأمة.


 ونظرا لعدم وضوح وتوحيد هذه الأهداف وعدم التركيز عليها خاصة في دول العالم الثالث فاننا سننتظر طويلا لحين أن ينقشع ظلام التبعية والنظام الاستهلاكي الذي يلاحقنا ، ومن الملاحظات البسيطة والمتبادرة في أذهان الكثيرين ممن يرقبون باهتمام تطور هذا الحقل عدم وجود التنسيق في الأهداف فيما بين المؤسسات التعليمية وبعضها بعضا فالهدف المعلن هو تنمية الجيل، والحرص على تعليمه، وتربيته، وهذا نادرا ما نجده متفقا مع المخرجات التي يتوقعها كل من أولياء الأمور والبيئة المحيطة إضافة للمجتمع ككل والذي نعلم أنه مجتمع شبابي وأي عمل يوجه لصالح هذه الفئة سيكون له مردود مباشر إما بالسلب أو الإيجاب على الحكم العام على أداء الأمة .


للأسف فان هذه التحديات القائمة تكاد تغفل إلا أنها تتعاظم بتبعاتها مع مرور الوقت خاصة وأنها لم تجد الأيدي المخلصة والتي من شأنها أن تتغاضى عن الربح المادي والذي يشكل هاجسا في حقل التعليم الخاص،وذلك لصالح توحيد الجهود في سبيل بناء استراتيجيات تعليمية تنموية تهدف إلى تحقيق نهضة حقيقية في قطاع التعليم الذي بات وللأسف يدعو للأسى وينذر بخطر حقيقي على الأمة وأجيالها.


من خلال التجربة وواقع الميدان التربوي يظهر أن الخروج من هذا المأزق من غير الممكن أن يتحقق إلا بجهود مخلصة وموحدة، كأن  تضطلع وزارة التربية والتعليم بمسؤولياتها الجسيمة وتقف على واقع التعليم عن قرب، فما يقوم به مفتشو التربية والتعليم إنما هو جهد لا يتناسب مع ما تحتاجه هذه المؤسسات وما تتطلبه هذه المرحلة، فالأيدي القائمة على هذا القطاع ستشكل قيّما على أكثر الفئات فاعلية في بناء مستقبل الأمة ، ولذلك كان لا بد من ايجاد طرق مستحدثة وآليات جديدة للوقوف على حاجات أبنائنا النفسية والجسدية والأكاديمية وأن لا نكتفي بالطرق التقليدية التي باتت تشكل هاجسا عند بعض المعلمين والإدارات وأوجدوا طرقا للإلتفاف عليها.


 وما نفاجأ به حقيقة أن الطفل يمارس سلوكا سلبيا في البيئة المدرسية بينما يكون أكثر انضباطا داخل بيئته المنزلية، ويبدو أن الأزمة في مدى الإخلاص في العطاء وكذلك مدى الوضوح والشفافية في توصيل الأهداف الحقيقية لهذا الحقل من رأس الهرم إلى أدناه باتت بحاجة إلى إعادة نظر وتقييم .


نحن نعلم بأن الأزمة الأخلاقية تواجه أغلب المجتمعات في عالمنا المعاصر، فالغزو الثقافي وارتباك الهوية في مواجهة هذا السيل من المؤثرات تتطلب جهدا مخلصا وواعيا، وخطط عمل ومتابعة حثيثة للتطبيق ، بحيث يتم تبنيها بعد توضيح أبعادها وتأثيراتها على مستقبل الأمة ودون السماح لأي تلاعب يطال هذه الفئة الهامة من أبناء أمتنا في سبيل الوصول إلى مستقبل مشرق .


ويبدو أن تشكيل لجان منتقاة ومهتمة من المجتمع المحلي للمشاركة في إعداد مثل هذه الخطط التي تصب في صالح أهم بند من بنود التنمية ألا وهو بند التنمية البشرية بات مطلبا حقيقيا للمثول أمام شكوى الأهالي، والرضوخ إلى نداء وأنين الأمة من ضرورة العمل والعمل باخلاص للنهوض من هذه الكبوة إن شئت أن تسميها، فلم يعد أمامنا متسع من الوقت لأخذ ولو حتى قيلولة، فالعالم من حولنا ينهض وبتسارع وفي حقل التربية والتعليم خاصة.


وقد حان الوقت لمفتشي وزارة التربية والتعليم أن ينتبهوا إلى ما هو أكثر من الأمور التقليدية من مثل أمور التحضير، أو حضور حصة يتيمة للمعلم الفلاني في المبحث الفلاني، والذي تعمل المدرسة جاهدة وكذلك المعلم على أن يكون خير ما عنده في ذلك اليوم ، فالالتفات لأمور الابداع في العرض والتشويق والتثقيف والسماع للطلبة أكثر من المعلم ذاته من شأنها أن تخلق حلقة اتصال مع الفئة المستهدفة للوصول إلى التقييم الحقيقي الذي بلا شك هو مطلب رئيسي للوقوف على السلبيات في التواصل ووضع الخطط لمعالجتها، وقد ورد في دراسة لليونسكو بعنوان " التعليم ذلك الكنز المكنون " أن غايات التربية الجديدة تستوجب أن يصب التعليم لصالح الأهداف التالية : تعلم لتعرف، تعلم لتعمل، تعلم لتكون، تعلم لتشارك الآخرين"، ونضيف عليها حاجاتنا الملحة تعلم لخدمة الوطن والمواطن، وجميع الأهداف السابقة من الممكن قياسها من خلال التعامل اليومي مع الأطفال.


قد يبدو أن تفعيل التنافس بين المدارس في هذا الاتجاه منصب في النهاية لصالح إيجاد المعلم الباحث الذي لا يقف في التثقيف والعرض عند حدود المنهاج، وعند حدود العرض التقليدي الذي يغلب عليه طابع التلقين وغياب القدوة المحببة. وبما أن المعلم هو صلب العملية التربوية فقد حان الوقت للبحث وايجاد نموذج يحتذى من خلال التحفيز والتدريب وغرس الايمان بالهدف .


ولا شك أن الاهتمام بالمبادرات الشابة في هذا الشأن ودمجها في التطوير، والاعداد سيعود بالخير على المجتمع ككل،ومع الأمل والتقدير لكل الجهود الخيرة، والتي تعمل بصمت ومع ذلك فأثرها يلمسه الصغير قبل الكبير، إلا أن الأمر بات بحاجة إلى عمل ومبادرات جماعية تستشرف المستقبل وتعمل باخلاص وخطى حثيثة من أجله.


daraljawad@yahoo.com

التعليق