تركيا لم تعد العدو الأول لليونان

تم نشره في الخميس 10 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً


اهتمت الصحافة البلقانية هذه الايام (5-6 آذار/مارس 2005) بما تسرب من التقرير الاستراتيجي الأخير للجيش اليوناني، الذي أقر بأن تركيا لم تعد العدو رقم (1) لليونان.


وفي الواقع أن هذا الإقرار مهم إذا أخذنا بعين الاعتبار حالات التوتر خلال السنوات الثلاثين الأخيرة التي أعقبت الانقلاب العسكري والاجتياح التركي لشمال الجزيرة في 1974، والتي وصلت إلى ما يسبق المواجهة في أكثر من حالة في سماء وماء بحر إيجه. ومن هنا فقد بنيت العقيدة العسكرية اليونانية على أولوية الخطر التركي، وكان هذا يرد صراحة في كل تقرير استراتيجي للجيش اليوناني.


ولكن يبدو أن السنوات الأخيرة قد شهدت بعض التطورات الإيجابية. فاليونان لم تمانع في النظر بقبول تركيا في الاتحاد الأوروبي، وها هي تركيا تستعد الآن بعد الحزمة الأولى من الإصلاحات السياسية والقانونية لبدء المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي. وفي هذه الحالة لا يمكن للجارين العضوين في حلف الأطلسي أن يبقيا على التوتر نفسه مع وجودهما المفترض في الاتحاد الأوروبي. ومما يدل على كل ذلك مؤخرا اتخاذ خطوات مهمة للتخلص من عبء التاريخ المليء بالصور السلبية لكل طرف عن الآخر، حيث بدأت المساعي لمراجعة الكتب المدرسية لدى كل طرف لتخفيف تأثيرها على تكوين الصور السلبية المسبقة التي يحتفظ بها كل طرف عن الآخر.


ولكن ماذا لدى اليونان الآن بعد تركيا؟


صحيح أن تركيا لم تستقط كلياً من قائمة الأخطار لليونان ولكنها لم تعد الخطر/التهديد الأول، وهذا تغيير مهم لمن يعرف العلاقات في الماضي والحاضر بين تركيا واليونان. والمثير هنا أنه بدلاً من تركيا يركز التقرير الاستراتيجي على خطرين آخرين: الجريمة المنظمة وعدم الاستقرار الاثني في البلقان، مع ما يجمع بينهما.


فاليونان بحكم موقعها المتوسط وشواطئها الواسعة في شرق المتوسط حتى وسط البحر الأدرياتيكي تمثل الآن نقطة جذب للجريمة المنظمة (تهريب المخدرات والبشر وتجارة الجنس) المتجهة إلى أوروبا الغربية. وبحكم عضويتها في الاتحاد الأوروبي فقد أصبحت اليونان في السنوات الأخيرة، بعد انهيار الأنظمة الشيوعية وانهيار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، نقطة جذب للمهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين الباحثين عن لقمة العيش. وقد أثرت هذه الهجرة بقوة على اليونان، التي كانت تتسم بأعلى نسبة تطابق ديني/قومي بين سكانها الـ10 ملايين، حيث وصل عدد هؤلاء المهاجرين إلى حوالي مليون حملوا إلى اليونان لغات وثقافات وتحديات جديدة.


ومن ناحية أخرى تنتظر اليونان بقلق إلى عدم الاستقرار الاثني السياسي في البلقان الذي يمكن أن ينعكس بدوره عليها. فقد قادت اليونان المعارضة لمنع قبول جارتها (جمهورية مكدونيا) في الأمم المتحدة بهذا الاسم الذي تعتبره من تراثها القومي، ولكن "جمهورية مكدونيا" نالت الاعتراف الواقعي وطورت علاقات ممتازة مع دول الطوق لليونان (بلغاريا وألبانيا). ومن ناحية أخرى تتابع اليونان بقلق انعكاس استقلال كوسوفو المتوقع في نهاية 2005 على الأوضاع من حولها لأنه ينذر بطوق آخر (مكدونيا وكوسوفو وألبانيا) ويحرك العنصر الألباني في اليونان الذي أصبح يفرض نفسه مؤخرا. ومن هنا فقد جاءت زيارة رئيس الحكومة اليونانية في الأيام الأخيرة إلى دول البلقان (ألبانيا والجبل الأسود وصربيا وكرواتيا) لامتصاص ما يمكن من انعكاس سلبي للأوضاع الجديدة في البلقان على اليونان.


ومع ذلك فالمهم أن تركيا لم تعد العدو الأول لليونان، وفي ذلك عبرة لمن أراد أن يعتبر.

التعليق