في ذكرى جريمة النفي الجماعي للشيشان عام 1944

تم نشره في الثلاثاء 1 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

     في صباح يوم 23 شباط 1944، وكانت الارض في الشيشان مغطاة بطبقة سميكة من الثلج في المناطق الجبلية, وبطبقة اقل سمكاً والجليد والصقيع في المناطق السهلة المنخفضة, جرت دعوة البالغين (وكان بينهم عدد قليل من الرجال الذين كانوا متواجدين في جبهات القتال ضد المانيا النازية) الى اجتماعات في المدارس والنوادي وميادين جميع المدن والقرى والتجمعات السكانية في الشيشان وانجوشيا للاحتفال بيوم الجيش الاحمر, ولم تدرك الجماهير ان السلطات السوفيتية الشيوعية كانت قد خططت لاستغلال هذه المناسبة لاقتراف أبشع مجزرة بحق الشيشان والانجوش.


     ففي جميع انحاء الشيشان وانجوشيا, وفي مواقع التجمعات التي كانت قد صوبت عليها المدافع والرشاشات واحيطت بطوق من القوات السوفيتية, جرى الاعلان عن قرار السلطات السوفيتية بنفي جماعي للشيشان والانجوش من ديارهم القومية الى مناطق اخرى في الاتحاد السوفيتي.


     اشتركت في هذه العملية اكثر من مائة الف من القوات السوفيتية المدربة على تنفيذ مثل هذه العمليات. قامت باحتجاز الجماهير في اماكن تجمعهم ثم اقتحمت منازل السكان الامنيين العزل, واعطت الاوامر (باللغة الروسية التي كان قسم كبير من الشيشان يجهلها) تمهلهم ما بين عشر او خمس عشرة دقيقة, للخروج من المنازل والتحرك الى مصيرهم المأساة. وكل من كان عاجزاً عن الصدوع لهذه الاوامر بسبب مرضه او شيخوخته او انه طفل, او لانه لم يفهم الاوامر باللغة الروسية, اخرجوا بالقوة خارج منازلهم او عن اسرة مستشفياتهم. ومن تلكأ لأي من هذه الاسباب او غيرها كان يقتل بالرصاص, او يقذف به في هاوية سحيقة, او يحرق حياً كعملية حرق مجموعة مكونة من 600 شخص (بعض المصادر ذكرت 700-750 شخصاً) في اسطبل في مزرعة خايباخ التابعة لمزرعة بيريا الجماعية الجبلية. اذ كان قائد العملية الجنرال غفيشياني قد قرر بأنهم غير قادرين على النزول من الجبال مما يؤدي الى اعاقة الحركة الى مراكز التجمع تمهيداً للنقل الى المنفى. واسماء 66 شخصاً من ضحايا هذه المحرقة شيخ عمره 110 سنوات وزوجته 100 سنة, وشيخ آخر عمره 108 سنوات وزوجته 90 سنة, وطفلين كان عمرهما بضعة ايام. ويقدر بأن عدد الذين قتلوا اثناء عملية النقل الى مراكز التجمع كان اكثر من 7000 طفل وشبح وعاجز في منطقة (غالان تشوي) وحدها.


      لا يتسع المجال هنا للخوض اكثر حول كيفية النقل الى المنافي (في كازاخستان وقير غيزيا وسيبريا الغربية), او المعاملة اللاانسانية في معسكرات الاعتقال. وشمل النفي جميع الشيشان والانجوش المتواجدين في الاتحاد السوفيتي وحتى الجنود المتواجدين في جبهات القتل ضد القوات النازية, وحاز بعضهم على مداليات البطولة الا انهم يستثنون من هذا المصير.


      ويقدر بأن عدد الذين ماتوا خلال الاسابيع الاولى نتيجة الجوع والبرد والامراض زاد عن (70000) شخص. كما يقدر عدد الذين ماتوا خلال فترة النفي (1944-1957) حوالي (200000) شيشاني و(30000) من الانجوش.
      ولم تنحصر جريمة السلطات السوفيتية في عملية تصفية عرقية للشيشان والانجوش, بل سعت الى محو تراثهم ومعالم حضارتهم وذكرياتهم عن ديارهم الوطنية والتعتيم على حاضرهم وماضيهم.
فمثلاً:


1- جرى حل جمهوريتهم, وتقسيم اراضيهم وإلحاقها بجمهوريات ومقاطعات مجاورة.
2- جرى تغيير الاسماء الشيشانية لمعظم المدن والقرى والمواقع الهامة بأسماء روسية.
3- لم تعد المراجع السوفيتية الرسمية تذكر شيئاً عنهم او عن الجمهورية المنحلة الا ما ندر... ولكن بشكل سلبي.
4- جرى اتلاف المراجع والوثائق والاثريات المتعلقة بتراثهم وبلغتهم وادابهم وعاداتهم وتقاليدهم. وقد جرى نقلها الى غروزني وحرقها في ميدان عام, وقبل ان عملية حرقها استمرت لبضعة ايام. الا ان بعض المراجع والوثائق كانت قد نقلت الى موسكو ومدن روسية اخرى... الا انها صنفت كوثائق مغلقة يحظر اطلاع الجماهير عليها.
5- قامت السلطات بخلع حجارة شواهد القبور وتكسيرها واستعمالها في تبليط الشوارع. والسبب في ذلك ان هذه الشواهد الجميلة كانت تحوي معلومات على تواريخ ولادة ووفاة واحياناً خلفية مختصرة عن المتوفين مما تشير الى اصولهم.
6- كانت الابراج الحجرية الشيشانية والانجوشية تمثل مظهراً للحضارة المعمارية الشيشانية. كانت هذه الابراج على ثلاثة اشكال سكنية، اربعة او خمسة طوابق مع اسقف افقية, ودفاعية ستة او سبعة طوابق مع اسطح قمم سرجية. وابراج اصغر كانت تنشأ على قمم بعض الجبال ومداخل بعض الوديان وكانت تستعمل كوسائل اتصال بواسطة اشارات نارية او دخان.


        ولمحو معالم الحضارة هذه, دأبت السلطات السوفيتية (وحتى بعد اعادة تشكيل جمهورية الشيشان/ انجوش عام 1957) على تدمير هذه الابراج. كانت في شيشانيا وانجوشياً الالوف من هذه الابراج (حوالي 250 منها في وادي نهر ارغون وحدها). ولم يبق منها الان في كل شيشانيا الا حوالي 50 برجاً قائماً, اما لانها كانت على درجة من المتانة لا تكفي الوسائل المتوفرة لدى فرق التدمير لتدميرها كلياً, او لأن الشيشان المجاورين قاوموا عمليات التدمير, او لأن بعضها كانت مجهولة لدى فرق التدمير ولم تكن معلمة على الخرائط المتوفرة لديها.


       ان الجرائم الانسانية التي تقترفها سلطات روسيا الفدرالية في وقتنا الحاضر لا تقل بشاعة ووحشية عنها في عهد ستالين. ومع ان جرائم عهد بوتين وفي ضوء التعتيم الاعلامي والصمت النفاقي المشين قد تبقى غير مثارة او مندد بها في الوقت الحاضر, الا ان بموجب احكام القانون الانساني الدولي تبقى المساءلة قائمة غير محددة, ومن حيث المبدأ لا تعطى حصانة لمجرمي الحرب, ولو كانوا رؤساء دول سابقين.

التعليق