إبراهيم غرايبة

العراق بوضوح وبساطة

تم نشره في الثلاثاء 1 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

    الإغراق الإعلامي والتطورات التفصيلية في العراق تبعدنا عن الرؤية الأساسية لفهم ما يجري، وثمة من يشغلنا بقضايا كثيرة جدا هي أبعد ما تكون عن الطريق الصحيح للوصول إلى حل مقبول ومناسب، وكأن الرغبة الحقيقة هي بقاء واستمرار العنف والفوضى، والنزاعات العرقية والإثنية، والتقسيم الطائفي، والحرب الأهلية.


    يصعب رد ما يجري في العراق لجماعات متشددة قادمة من خارج العراق، وتحميل الدول المجاورة للعراق مسؤولية التسلل عبر الحدود، فالاستقرار تنشئة الدول بمؤسسات قائمة بقوة على العدل والتنظيم، ومجتمعات تنظم على أساس مصالحها واحتياجاتها، وعلاقات صحيحة بين الدولة والمواطنين، وبين الدولة والمجتمع، ولو نظرنا في الخريطة إلى أي بلد في العالم لوجدناه مهيئا للفوضى والنزاع والحروب الاهلية والتناقضات الطائفية والعرقية والإثنية بمجرد ضعف الدولة والمجتمعات، وغيات المؤسسات، بل إن التعقيد والتطور الجاري في العالم يجعل المدن معرضة للفوضى والنهب لو انقطعت الكهرباء لبضع ساعات.


     فهذه المدن المليونية لا يمكن حمايتها إلا بمنظومة معقدة من المؤسسات والمصالح والقواعد التننظيمية والتقنية، ولا مجال في غياب وضعف الدولة وهشاشة المجتمعات والمؤسسات إلا للإرهاب والفوضى، والتهريب، فقد شهدت الحدود الأردنية العراقية تهريب المخدرات للمرة الأولى في تاريخها فقط بعد سقوط بغداد وفقا لمدير مكافحة المخدرات في الأردن العميد طايل المجالي.


      وهذا الإغراق الإعلامي الذي تمارسه الولايات المتحدة والحكومة العراقية الانتقالية في تحميل مسؤولية ما يجري لعدد من المتسللين عبر الحدود يعبر عن أزمة كبرى وعجز تعاني منه الإدارة القائمة في العراق.


     كيف استطاع هؤلاء الهواة المتسللون الغريبون عن العراق من تأمين المأوى والمال والتدريب والسلاح والمعلومات؟ كيف يخططون لعملياتهم الواسعة الكثيرة؟ وكيف يحددون اهدافهم ويصلون إليها؟ وكيف تعجز القوات الاميركية والمتحالفة معها بمئات آلاف الجنود المدربين والمزودين بكل أنواع الاسلحة المتطورة ومعها الحكومة العراقية القائمة بكل إمكانياتها عن القضاء على عدد من الغرباء المتسللين؟ كيف تعجز دول كبرى عن حماية حدودها وضبطها؟ كيف استطاع هؤلاء من العمل والتخفي؟  وماذا تفعل الجيوش والمخابرات والأمن والكمبيوترات والأقمار الصناعية في العراق؟


      لا يمكن تفسير ما يجري في العراق إلا بمحددات ومدخلات منطقية تغطي المسألة، فالمقاومة والعنف القائم في العراق لا يمكن أن يكون على درجة كبيرة من التأثير والقوة إلا إذا كان حالة شعبية وراسخة ومنتشرة، وإذا كانت الإدارة الأميركية عاجزة عن المواجهة والحسم فلأنها لم تقنع بعد العراقيين ولأنها نجحت بممارستها في استعداء العراقيين والعرب والمسلمين والعالم، فلا يمكن وصف ما جرى في العراق بأقل من جرائم حرب يندى له جبين الإنسانية.


      استطاعت الولايات المتحدة أن تقتل مائة ألف عراقي، وأن تهدم الجسور والطرق والمساجد والمستشفيات والمدارس، وتملأ السجون والمعتقلات، وأن تنتهك الحقوق والأعراف والأخلاق، لكنها لم تستطع أن تنتصر على نفر قليل من المقاومة، ولم تستطع أن تنشئ دولة في العراق مثل دول المنطقة في الإدارة والاستقرار، ولم تقدر على ضبط الحدود، ولم تقدر على إعادة بناء جسر أو مستشفى أو مدرسة، ولم تحقق سوى الفوضى والفساد والعنف، ولم تقبض إلا على عدد قليل جدا من المقاتلين العرب.


      وإذا كان ثمة رغبة حقيقية بالفعل في وقف العنف الجاري فإن ذلك يبدأ ببناء الدول والمجتمعات، وتأسيس حوار يستوعب العراقيين ويدمجهم وينظمهم في العمل لوطنهم، وما يجري حتى الآن هو استعداء العراقيين واستضعافهم وجعلهم شيعا، ولا يمكن في الحالة هذه أن يتوقف العنف أو يتحقق استقرار وأمن، إلا إذا كانت الإدارة الأميركية قادرة على تحويل أفلام ديزني إلى عالم واقعي.

التعليق