في فهم أميركا..

تم نشره في الاثنين 28 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

   فيما يشبه متتالية من المقالات في يومية موقرة، يبدو أن أحد الزملاء عاكف على "فهم" و"تفهيم" المجتمع الأميركي برمته وفي العمق، من مكتبه في عمان!! مسقطا كل نظريات علم الاجتماع ومنظريه، وموظفا معظم العبارات العلمية المعقدة بغية تحقيق هدفه بتحليل بنية المجتمع الأميركي وعلى طريقة محمد عابد الجابري!!


     يا صديقي القصة لا تحتاج كل هذا الجهد مع يقيني بخالص نيتك في الفهم الصحيح.


قلنا سابقا ( وأتجرأ أن أضم ذاتي إلى من عاشوا النمط الأميركي بغية فهمه)، أن العالم الجديد خلف الأطلسي الشاسع لا زال جديدا وبحاجة إلى اكتشاف مستمر.
      هذا الكشف يجب أن يبدأ من إرهاصات اللحظة الأولى لوصول سانتا ماريا شواطئ هذا العالم، مرورا بيوميات كريستوفر كولومبس المثير في محتوياتها، وما أعقب كل ذلك من موجات مهاجرين تصنفوا في ثلاث فئات رئيسة وتناغموا في قانون حياة ومعيشة جديد أساسه المصلحة والتي انبثقت عنها فكرة الفلسفة النفعية التي غدت قانون الاقتصاد الرأسمالي الأميركي، وليس انتهاء عبر تاريخ قصير نسبيا بأحداث سبتمبر الدامي في نيويورك والتي أيقظت الأميركي العادي جدا صبيحة التاسع من الشهر الدامي ليتفاجأ باختفاء الأطلسي من أمام عينيه، ومواجهته لعالم لم يكن يعرف عنه شيئا.


      الفهم الأميركي يكمن في كل الدلالات الظاهرة، ويمكن تلمسه وتتبع تاريخه من أي مؤشر متوفر، دون الحاجة إلى نبش النظريات التي ستقود في الحالة الأميركية إلى تيه مؤكد.


يمكن البدء من فيلم هوليودي يطرح مكنونات ذهنية المتلقي، مسلسل كوميدي مشهور يعكس حالة اجتماعية، أغنية شعبية شهيرة تعكس حقبة سياسية كاملة، شخصية مشهورة لها أثرها، سلوك اليوم العادي للأميركي العادي لدراسة اهتماماته ومن ثم البحث من هناك عن عمق الحالة وتاريخها، وهكذا..


      أميركا سمكة قرش، وأسماك القرش بطبيعتها تموت إذا توقفت عن الحركة ولو لحظة، ولا يمكن دراسة حالة قرش حي إلا بدراسة أنماط سلوكه، أو تشريحه إذا مات!!


نحن بحاجة إلى فهم أميركا وتبسيط الفهم، لأن أميركا حالة اجتياح في كل دقائق حياتنا، وأميركا كذلك بحاجة إلى فهم العالم لأنها تحت اجتياح هذا العالم كل دقيقة منذ سبتمبر الدامي.


هناك مفاتيح أساسية لفهم "الحالة" الأميركية، وهي مفاتيح متوفرة في التاريخ الأميركي نفسه سواء كان تاريخا مدونا أو مرئيا أو مسموعا، وعندها يمكن فهم العديد من الظواهر مثل لماذا تعد مارلين مونرو ممثلة الإغراء شخصية تاريخية أميركيا تماما كالدكتور مارتن لوثر كنج، ولماذا تكون صورة ميكي ماوس الكرتونية بنفس درجة الاعتزاز لصورة جون إف كنيدي الرئيس المغتال، ولماذا لا يرى الأميركيون ورئيسهم كلنتون وكل إدارته ضررا من استبدال القدس بأبي ديس؟!؟ ولماذا تعد مفردة "HISTORY" رديفا في اللغة الأميركية بالمعنى لمفردة "العدم"؟!؟


    القراءة لأميركا وعن أميركا بحاجة إلى متوالية مفاتيح للفهم، ومنها يكون الانطلاق، ونحن بحاجة إلى هذا الفهم أكثر ما يكون الآن.
malikathamneh@hotmail.com

التعليق