"الحملة العالمية" والرد على العدوان

تم نشره في السبت 26 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

 


عندما وصلت إلى الدوحة لمراقبة فعاليات "المؤتمر التأسيسي للحملة العالمية لمقاومة العدوان" لم أكن متفائلا من النتائج المتوقعة، فكثيرة هي المؤتمرات والحملات والعناوين الكبيرة في العالم العربي لكن عائدها العملي يقارب العدم أو تتحول إلى دعوات تذهب أدراج الرياح!. لكن ما رأيناه خلال المؤتمر من وعي ناضج وشعور بالمسؤولية وترتيب للخطوات المستقبلية يوحي إلى الآن أننا أمام حالة شعبية عربية/ إسلامية متقدمة في إدراك الخطر ومواجهة التحديات؛ فالمؤتمر بحد ذاته يشكل مظاهرة سياسية وفكرية إسلامية تضم مئات المثقفين والكتاب والسياسيين العرب والمسلمين - جاءوا من دول عديدة- كلهم مجمعون على أهمية استنهاض همم المجتمعات وضرورة وقوف القوى السياسية والمدنية لمواجهة استحقاقات اللحظة التاريخية الراهنة. 

في هذا السياق يمثل مفهوم "العدوان" كل معاني التهديدات والأخطار التي تواجهها الشعوب والمجتمعات الإسلامية اليوم؛ سواء تمثل هذا العدوان بالاحتلال العسكري المباشر وما يرتبط به من إهانة للشعوب العربية والمسلمة وتدمير للبنى التحتية وقتل لآلاف المدنيين بدم بارد، واعتداء على كرامة الأسرى وحقوق المعتقلين السياسية بأبشع أنواع التعذيب (كما هو الحال في أبو غريب أو غوانتنامو أو أفغانستان أو السجون العربية المزدحمة بالمعتقلين ممن تتمثل جريمتهم الفعلية أنهم أصحاب رأي يخالف إرادة الحاكم وتسلطه!)، أو تمثل العدوان بالهيمنة والتسلط الأجنبي على العالم الإسلامي ونهب ثرواته وضرب قدراته. كما ينطبق مفهوم العدوان على الفساد السياسي والإداري الذي يبدد ثروات وطاقات الشعوب ويستنزف خيراتها لمصالح نخب قليلة تتاجر بالسلطة وتتخذها مغنما لها.

    لقد نجح القائمون على المؤتمر في عدة قضايا مفصلية ومحورية أبرزها اختيار الأعضاء المؤسسين من أبرز ألوان الطيف السياسي الإسلامي، من عدد كبير من دول العالم الإسلامي، الأمر الذي يعطي زخما ومصداقية لهذه الحملة في العديد من دول العالم الإسلامي ويجعلها أقرب إلى الحالة الشعبية/ المدنية العامة والتي تشكل الاستجابة والرد العربي الإسلامي على العدوان العام، وتتفق فيها أطياف العمل الإسلامي والعديد من مؤسسات المجتمع المدني على قضايا رئيسة وعناوين واضحة. إلاّ أن غياب القوى الشيعية وغير الإسلامية عن الحملة لم يكن مقبولا خاصة أن حزب الله قد أبدى رغبته مسبقا بالمشاركة، وهذا بلا شك حقه الطبيعي كحزب يمثل حالة سياسية وشعبية مقاومة، وكذلك القوى السياسية العربية الأخرى التي تتوافق مع الإسلاميين على مطلب الاستقلال والحرية ورفض العدوان والاحتلال وتشاطرها فعاليات المؤسسات المدنية العربية، فلم يكن مبررا غيابها أبدا!.

من ناحية أخرى يأتي "المؤتمر التأسيسي" في وقته المطلوب؛ بعد الانتخابات العراقية والانتخابات الفلسطينية التي أعطت “محمود عباس" مشروعية شعبية في ظل الهدنة التي وافقت عليها كل من حماس والجهاد، وبعد اغتيال الحريري وتداعياته على الحالة السياسية الداخلية في لبنان، وكلها أحداث أدت إلى حالة من الاهتزاز في الشارع العربي وأضعفت روح الأمل وعززت من الحصار على المقاومة في كل من العراق وفلسطين في ظل دعوات متزايدة تنطلق هنا وهناك تنعى الشارع العربي وتعتبره وهما. كما أنه يأتي في سياق حرب نفسية وإعلامية على كل محاولات مقاومة العدوان والاحتلال مصطلح الإرهاب والعنف، في مقابل هذه الظروف الحرجة يشكل المؤتمر–بالفعل- قراءة مختلفة معاكسة للمشهد السياسي العربي تؤكد من خلاله القوى السياسية والشعبية على إرادة النهضة والمقاومة، وعلى حيوية الأمة وفعاليتها وعلى الروح النضالية التي يصبغ الإسلام بها هذه الشعوب، والتي ما زالت رغم كل الضغوط والبلاء قادرة على قول كلمة: "لا للعدوان"، وعلى المضي قدما في التحرر الحقيقي، وإذا كان هدف المؤتمر هو فقط التأكيد على مبدأ النضال فهو هدف كبير وهو من الناحية الإعلامية والمعنوية يشكل مكتسبا استطاع القائمون على الحملة تحقيقه من خلال اختيار الوقت المناسب.

أما اختيار القائمين على الحملة "الوسائل السلمية" للرد على العدوان فهو قرار ذكي، يوظف طاقات وإمكانيات وقدرات الشعوب والقوى العربية في الطرق الصحيحة، ويأخذ طابعا عاما يتناسب مع عمومية العدوان، ويدخل المداخل المشروعة القانونية التي تضعف من محاولات التضييق عليه، كما أنّه يتجاوز هواجس الحكومات العربية ومخاوفها، ويؤكد انه يعكس حالة مقاومة مدنية سلمية، لكنه في نفس الوقت لا ينفي حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال باختيار نهج المقاومة المسلحة والتي هي حق طبيعي يتكامل ويتعانق مع حق المقاومة المدنية السلمية.    

التعليق