مؤشرات اقتصادية وواقع اقتصادي

تم نشره في الجمعة 25 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً


      الاحتياجات الاقتصادية في الدول النامية تختلف في طبيعتها عن تلك التي تخص شعوب العالم المتقدم. والاختلاف الرئيسي يعود في اصله الى الامكانيات المتاحة لتلك الدول قياسا باحتايجات مواطنيها. وأصل تلك القاعدة يعود الى النظريات الاقتصادية الكلاسيكية التي ترتكز على افتراض نظري قوامه ان الحاجات الفردية اوسع من الموارد المتاحة وان اشباع تلك الاحتياجات يتسلسل حسب اولوياتها بالنسبة الى الفرد اينما كان. اساس تلك النظرية لا زال ينطبق اليوم ولو انه الى حد كبير بات يتفاوت في صحته حسب الدول المطبقة عليه والامكانيات المتوفرة فيها. العالم الغربي اليوم يشهد حالة تنمية واسعة خاصة ان الدول الاوروبية خلقت كيانا اقتصاديا موحدا استفادت منه معظم دول هذا الاتحاد.

 ولأن التنمية الاقتصادية بالنسبة للمواطن الاوروبي هي المقياس الذي تتحدد على اساسه نجاح حكوماته من عدمها فإن الدول الغربية يعنيها أولا وآخرا ايجاد الموارد التي تبقي على قوة المواطن الشرائية لديها بمأمن من ظواهر التضخم الاقتصادي التي تشهدها. وقد نجحت الدول الغربية بشكل عام في التوفيق بين المحافظة على مستويات معيشية ثابتة مع الابقاء على عجلات التطور تسير بسرعات اكبر. ايضا فقد سارعت الدول الغربية اثر انهيار المعسكر الاشتراكي الى الضغط على دول العالم الثالث لفتح ابوابه الاستثمارية لشركاتها تعويضا لما فاتها من فرص في حقبات الحظر التي صاحبت مرحلة صراع الاقطاب الامر الذي مكنها من اختراق عدد لا بأس به من دول العالم الثالث ولو بمسميات ودواع لا تعكس حقيقة نواياها. غير ان الدول التي لم تستطع مقاومة محاولات الانقضاض عليها بدأت تدفع اليوم ثمنا اقتصاديا باهظا يتمثل بتراجع متزايد بأوضاع مواطنيها المعيشية رغم ان المؤشرات الاقتصادية الرسمية قد تظهر خلاف ذلك. كما بات بإمكان الدول الغربية ومؤسساتها الاستشارية ان تقنع شعوب تلك الدول انها تسير نحو الافضل اقتصاديا من واقع ارقام وبيانات احصائية لمعايير اقتصادية تحددها لها رغم ان اوضاع المواطن الفعلية تتراجع على معظم المستويات الاخرى. مثل تلك الازدواجية كان من المستغرب الحديث عنها قبل سنين او عقود ، إذ لم يكن من المتوقع الحديث عن نمو في متوسط دخل المواطن من الناتج المحلي الاجمالي لأي من تلك الدول دون ان تلمس ذات الدرجة من التحسن على حياته اليومية. ولكن ما كان مستحيلا تخيله قبل سنين بات اليوم ممكنا حيث لم يعد من الضروري ان تشهد اوضاع المواطن الفعلية تحسنا ملموسا بل بات يقتضي الاكتفاء بما تظهره التقارير والبيانات بهذا الخصوص وان كانت تشير بخلاف الواقع.

التعليق