الاقتصاد الناجح.. وليس التاريخ أو الايديولوجيا هو الذي يبني الدولة القومية الحديثة

تم نشره في الخميس 24 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

ما يحدث الآن في بلغاريا، بعد حوالي قرن من الحروب والجهود الفاشلة لإنجاز الطموح الكبير بالدولة القومية التي تستقطب البلغار في دولة واحدة، يجدر التوقف عنده والتأمل فيه.


 ففي البلقان خلال القرن التاسع عشر، حين كانت الشعوب السلافية وغيرها تحت الحكم العثماني، انتشر المفهوم الألماني للقومية الذي يركز على اللغة والتاريخ والأيديولوجيا لتحقيق الدولة القومية المنشودة. ولكن المشكلة كانت في تعيين حدود هذه الدولة إذ انها استلهمت خرائط الماضي (القرون الوسطى) التي لم تعد تتطابق مع الواقع القائم (السياسي والسكاني والثقافي) مما جعل الخرائط المعلنة للدول القومية المنشودة (بلغاريا وصربيا واليونان) تتداخل فيما بينها حيث أن كل واحدة لا يمكن أن تتحقق إلا على حساب الأخرى.


 وهكذا لم يعد الواقع القائم في المثلث البلغاري الصربي اليوناني يشكل أي هاجس للدويلات القومية الطموحة إلى توسيع حدودها ضمن الخرائط المنشودة (أي ما أصبح يسمى "بلغاريا الكبرى" و"صربيا الكبرى" و"اليونان الكبرى")،  بل أصبح الهاجس هو المزيد من التوسع وضم ما يمكن ضمّه من أراض ضمن الخرائط المنشودة ثم تجيير الواقع (بتهجير السكان غير المرغوب فيهم وفرض اللغة/الديانة الرسمية لقومنة بقية السكان) لصالح المشروع القومي.


 وفي هذا الإطار خاضت بلغاريا الحرب البلقانية الأولى في خريف 1912 مع صربيا واليونان ضد الدولة العثمانية وتحملت القسط الأكبر من الخسائر، ولكنها فوجئت بأن حليفتها صربيا توسعت على حسابها في مكدونيا التي كانت صوفيا تعتبرها امتدادا لبلغاريا. فالايديولوجيا القومية البلغارية التي تعتمد على اللغة والتاريخ كانت تؤكد دوماً على بلغارية مكدونيا باعتبارها كانت قلب الإمبراطورية البلغارية في القرون الوسطى. ولكن صربيا تحالفت مع اليونان في الحرب البلقانية الثانية في ربيع/صيف 1913 وأرغمتا بلغاريا على التنازل عن مزيد من الأراضي التي أصبح فيها الواقع السكاني والديني/الثقافي يتغير لصالح صربيا واليونان.


 ومن هنا فقد انساقت بلغاريا مع ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى 1914-1918، في الوقت التي كانت صربيا واليونان مع الطرف الآخر، حتى تسترجع ما خسرته من "أراض بلغارية". والمشكلة هنا أن طموح بلغاريا لم يكن يتوقف عند مكدونيا، بل كان يطالب ألمانيا بقسم من كوسوفو أيضاً مما يجعل "بلغاريا الكبرى" تمتد من البحر الأسود إلى مشارف البحر الأدرياتيكي. ولكن خسارة ألمانيا وحلفائها جعل بلغاريا تعاود الكرة في الحرب العالمية الثانية، حيث تحالفت مع ألمانيا الهتلرية وسيطرت على المناطق المرغوبة (مكدونيا وقسم من كوسوفو) التي تعتبرها ضمن "الدولة القومية". ومع خسارة ألمانيا للحرب كان على بلغاريا أن تنسحب من تلك المناطق وأن تخسر المزيد.


 ومع أن وصول الأحزاب الشيوعية إلى السلطة بعد الحرب كان يبشر بحلول أخرى (كونفدرالية بلقانية تجمع الشعوب وتحل مشاكل الأقليات) إلا أن نزاع 1948 بين ستالين وتيتو جعل الحساسيات القومية تبرز من جديد بين دول المنطقة. فقد اعترفت بلغراد بالسلاف في مكدونيا كشعب مستقل وأسست لهم دولة قومية باسم "جمهورية مكدونيا"، بينما بقيت بلغاريا (تحت حكم الحزب الشيوعي) تعتبر هؤلاء السلاف في مكدونيا جزءاً من الشعب البلغاري وبقيت تعتبر مكدونيا جزءاً من بلغاريا التاريخية. وفي غضون ذلك كانت بلغراد تستفيد من قروض الغرب لتبني اقتصاداً منفتحاً ومزدهراً أكثر بالمقارنة مع بلغاريا المجاورة، مما كان يغري بعض البلغار للتطلع عبر الحدود للعيش في "جمهورية مكدونيا"، حيث من السهل على أي بلغاري أن يتحول إلى مكدوني بسبب اللغة المشتركة.


 ومع انهيار يوغسلافيا في نهاية 1991 عمدت قيادة "جمهورية مكدونيا" إلى إجراء استفتاء على الاستقلال في أيلول 1991. وقد سارعت بلغاريا آنذاك إلى الاعتراف باستقلال "جمهورية مكدونيا"  ولكنها لم تعترف أبداً بوجود "شعب مكدوني"، بينما احتجت اليونان على إعلان استقلال الدولة بهذا الاسم (مكدونيا) الذي تعتبره من تراثها القومي ولذلك فرضت الحصار الاقتصادي خلال 1992-1996 على "جمهورية مكدونيا" مما أدى إلى أزمة اقتصادية كبيرة في هذه الجمهورية وتراجع المستوى/المعيشي حتى أصبح ثلث السكان يعيشون تحت خط الفقر.


 وفيما كانت بلغاريا تحقق نمواً اقتصادياً جيداً وتحسناً ملموساً في مستوى المعيشة، كانت الأوضاع في "جمهورية مكدونيا" تسير في الاتجاه المعاكس نتيجة لحرمانها من السوق اليوغسلافية التي كانت تعتمد عليها وللحصار الاقتصادي من اليونان 1992-1996 وحرب كوسوفو في 1999 وانعكاسها على الداخل المكدوني خلال 2000-2001. وفي السنوات الأخيرة حققت بلغاريا مزيداً من النجاح الاقتصادي وأصبحت الآن مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في 2007 مما اخذ ينعكس بقوة على علاقتها مع "جمهورية مكدونيا".


 فمع النمو الاقتصادي المتسارع والتحسن الملموس في المستوى المعيشي أصبحت بلغاريا نقطة جذب للبلغار الذين تركوا بلادهم في العقود الأخيرة وحتى لذوي الأصول البلغارية الذين لا يتمتعون بفرص عمل أو مستوى معيشي جيد في البلاد التي يتواجدون فيها. وبالإضافة إلى ذلك فقد أصبح انضمام بلغاريا إلى الاتحاد الأوروبي في 2007  يجعل من الجنسية البلغارية مغرية للكثير للتمتع بمزاياها في التنقل بين دول الاتحاد الأوروبي والتمتع بما فيه من مزايا اقتصادية وسياسية.


 وهكذا فقد أصبحت بلغاريا نقطة جذب للشباب من "جمهورية مكدونيا" حيث يقصدونها للدراسة في الجامعات البلغارية التي توفر لهم ظروفاً لا يحظون بها في بلادهم. إذ يذهب حوالي 700-800 طالب في كل سنة من "جمهورية مكدونيا" إلى بلغاريا لمتابعة دراستهم الجامعية العادية والعليا، حتى وصل عدد هؤلاء الطلاب الآن إلى حوالي 3500 طالب، أي عشر عدد طلاب الجامعات في "جمهورية مكدونيا" تقريبا. وذلك بفضل المنح التي تقدمها لهم الجامعات البلغارية باعتبارهم  من البلغار الموجودين في الجوار/الخارج. ولا يحتاج هؤلاء إلى تدقيق وتوثيق لبلغاريتهم فهم يعتبرون بلغاراً (حيث لم تعترف أية حكومة شيوعية أو غير شيوعية بوجود "شعب مكدوني") وما عليهم سوى أن يفتحوا فمهم ليتحدثوا "اللغة البلغارية" في الجامعات التي يقبلون فيها. ومع تخرج هؤلاء الطلاب يميل معظمهم إلى البقاء والعيش في بلغاريا لما توفره من فرص للشباب في الوقت الذي تتفاقم فيه مشكلة البطالة في "جمهورية مكدونيا" وخاصة بالنسبة للشباب.


 ويمثل قانون الجنسية في بلغاريا إغراء جديداً بالنسبة لهؤلاء وغيرهم، خاصة لما بعد 2007. فكل سلافي في مكدونيا يمكن أن يحصل على الجنسية البلغارية حيث أن إثبات "الأصل البلغاري" لا يتطلب منهم سوى أن تكون اللغة التي يتحدثون بها تعتبر بلغارية في بلغاريا ويكفي تصريح الشخص عن نفسه بأنه بلغاري لكي يحصل على الجنسية. وحتى للآخرين الموجودين أو المولودين في "جمهورية مكدونيا" فالأمر لا يحتاج إلى أكثر من طلب وشهادة ولادة للشخص نفسه أو لأبيه يثبت فيها أصله البلغاري. وفيما يتعلق بهذا فإن "الهيئة العامة للبلغار في العالم الخارجي" تساعد بسهولة في إنجاز مثل هذه الأمور إذ أنها تقوم بإصدار إثبات لكل من ولد في "جمهورية مكدونيا" بأنه من "القومية البلغارية". وفي مثل هذه الظروف لا يستغرب أن يشهد عام 2004 وحده تقدم 7500 شخص من "جمهورية مكدونيا" بطلبات للحصول على الجنسية البلغارية، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الحصول على جواز السفر البلغاري لا يكلف أكثر من دولارين.
مع الازدهار الاقتصادي الذي تعيشه بلغاريا ومع تحسن مستوى المعيشة واقتراب انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي تنجح بلغاريا الآن فيما فشلت فيه خلال قرن من الزمن في إنجاز بلغرة هادئة وفي تحويل بلغاريا الى "دولة قومية" ينجذب إليها البلغار وأنصاف البلغار للعيش فيها والاعتزاز بها.


لقد خاضت بلغاريا خلال القرن العشرين وحده ثلاثة حروب لأجل مكدونيا(1912-1913و1914-1918 و 1941-1944) وها هي الآن تحقق بالاقتصاد ما فشلت فيه بواسطة الحروب التي كانت تبرر نفسها بالتاريخ والايديولوجيا.

التعليق