العراق وحتمية التقسيم !!

تم نشره في الأربعاء 23 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً



يبدو أن العراق اليوم بعد توالي التصريحات السياسية وانتهاء العملية الانتخابية على أرضه بات قاب قوسين أو أدنى من عمليات تغيير واسعة تطول جميع البينة السياسية فيه، فمن تصريحات أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني عندما قال بحتمية إقامة جيب شيعي في الجنوب أسوة بالموجود في الشمال والخاص بالأكراد، إلى تصريحات برنارد لويس عندما قال في مجلة فورين افيرز الأمريكية أن العراق دولة مصطنعة واحتلاله فرصة لتصحيح هذا الخطأ الذي ارتكبه البريطانيون أي تفكيكه إلى عدة دويلات حسب الطبيعة السكانية وانتماءتها الدينية والعرقية.


نقول هذا الطرح الذي يتصاعد حيناً ويخفت أحياناً يجد القبول عند العديد من الجهات في العراق، وهنا لا بد من التأكيد على فكرة ان غزو العراق هي التي شجعت مثل تلك الأفكار عند "برناد لويس" على سبيل المثال، وهذا الغزو كما تجمع أغلب الدراسات المستقبلية، حسم مسألة أن تقوم من جديد دولة عراقية قوية مستقبلاً لا تتوافق بالضرورة مع التوجهات الغربية، وفي هذا السياق يحضرني كتاب أشبع هذه الفكرة نقاشاً وتحليلاً وهو بعنوان (مستقبل العراق) لكل من ليام اندرسون وغاريث ستانسفيلد.

لقد أجمعت الدراسات التي تناولت الوضع العراقي أنه وبعد الإطاحة بنظام صدام حسين فإن الأمور تسير على نحو صعب من تحقيق الديمقراطية بسبب طبيعة تركيب المجتمع العراقي المتكون أساساً من مجموعات طائفية وعرقية متناحرة فيما بينها، ومن هنا فصعوبة مهمة الولايات المتحدة وحلفائها في العراق ممكن أن نلحظ فشلها من عدم وجود التمثيل الكافي لكافة الطوائف العراقية في الانتخابات الأخيرة، كون الديمقراطية الموعودة هي التي يجب أن يعلن فيها المحكوم موافقته على الحكم؛ ولكن وفق النموذج الأمريكي في العراق لا يمكن بأي حال من الأحوال تطبيقها بالقوة حتى وإن جندت كل القوى ضد الشعب العراقي.


إن كانت الديمقراطية وهي ما جاءت من اجله الولايات المتحدة إلى العراق -كما تقول الدراسة - تتطلب مزيداً من النضوج السياسي والثقافي والالتزام بها حاكماً ومحكوماً، فإن الخيارات الأمريكية في العراق تبدو محصورة في نوعية الاحتلال القائم وخاصة مع قرب دخول الاحتلال عامة الثالث، وهي، الولايات المتحدة، وعلى الرغم من كل ذلك فإنها أمام ثلاثة أنواع من الخيارات كلها احتلال مر في نظر الخبراء والسياسيين العارفين بالعراق، وأول هذه الخيارات، أن يكون الاحتلال الأمريكي احتلالا قصير الأمد تقوم خلاله الولايات المتحدة ببذل جهد كبير لتأسيس نظام ديمقراطي كامل ثم ترحل تاركة السيادة الكاملة في أيدي حكومة عراقية منتخبة ديمقراطية، وثانياً، احتلال طويل الأمد يمتد إلى عشر سنوات وأكثر تقوم خلاله الولايات المتحدة بإعادة تشكيل المجتمع العراقي بكيانه الكامل وتبذل جهدا مركزا لتأسيس جذور الديمقراطية في العراق، وثالثاً، احتلال عسكري قصير الأمد يتبعه تأسيس حكومة تشبه الدمية في العراق وانسحاب قوات الولايات المتحدة.


إن النظرة السريعة لمثل هذه الخطط في واقع الحياة السياسية في العراق يدفعنا إلى القول ان أمريكا ستفشل إن أجلاً أو عاجلاً في تكريس هذا المبدأ  فلا احتلال عسكري يقوم على قتل واعتقال العشرات كل يوم كفيل بجلب التهدئة، ولا يمكن لسيادة عراقية كاملة أن تقوم تحت حراب الاحتلال وخرابات الدمار اليومي، ولا العراق اليوم بقادر أن يكون دولة ذات سيادة معتبرة بعد هذا الجحيم اليومي.


لقد أدى غياب الثقة بين الجماعات المختلفة (شيعية- سنية- كردية) قبل وبعد الانتخابات  الأخيرة إلى إصابة الحكومة العراقية المؤقتة بالشلل، وما أفرزته الانتخابات ليس إلا بعض المكاسب التي حققتها الأحزاب في انتخابات قيل عنها الكثير، وهنا لا بد من التأكيد على ان نجاح تطبيق الديمقراطية في العراق بعد انسحاب القوات الأميركية كما يحاول البعض في العراق اليوم أن يروج له سيترك العراق عرضة للفوضى، ولن تستطيع أي حكومة عراقية وبمساعدة القوات الأمريكية أن تعيد الهدوء إلى ما كان عليه سابقاً في العراق أبداً، ومن هنا تظهر جلياً أهمية التصريحات التي تصنف في خانة التقسيم، وقد يظهر بعضها في المستقبل عندما تشتد الأزمة أو عند ظهور بوادر انسحاب أمريكي، وهو لن يتم إلا بعد أن ينتهي السبب الحقيقي القادمة من أجله الولايات المتحدة.

سيصبح أكثر تعقيدا عما كانت عليه الأوضاع من قبل ذلك، لأن السلطة قد تم تقسيمها وتوزيعها من خلال النظام الحالي، وعلاوة على ذلك فإن الصراع على السلطة لن يكون محدودا بين متنافسين ولكن بين جهات أخرى جرى تجاهلها من قبل الأمريكان ذاتهم.


إن السيناريو الذي يبدو جلياً اليوم في العراق وإن كان متشائما بصورة واضحة هو تقسيم العراق، وقد أكد هذا بيتر غالبريث- وهو دبلوماسي أمريكي له معرفة واضحة في جميع الدول التي تفتت مثل يوغسلافيا أو اقتطع منها أجزاء مثل إندونيسيا في دراسة مطولة نشرها في "نيويورك ريفيو أوف بوكس" وقال بوجوب تقسيم العراق على الأقل لثلاث دويلات، وخلص إلى القول أنه "بما أن تقسيم العراق يمكن أن يجره إلى عنف أكبر فمن الأفضل أن تبقيه داخل كونفدرالية فضفاضة، معتبراً أن الحل الأمثل لمستقبل العراق هو إقامة نظام كونفدرالي بين ثلاثة كيانات: كردية وسنية وشيعية، مشيراً في ذات الوقت إلى استحالة وضع العراق بمختلف قومياته وأديانه وطوائفه داخل إطار دولة واحدة.


هذا الدعم اللامحدود لدعاوى تقسيم العراق يجد ضالته أيضاً في الدستور العراقي المؤقت الذي منح كل ثلاث محافظات متجاورة الحق في تكوين فيدرالية مستقلة، وهذا البند الدستوري وضعته واشنطن بهدف الاستفادة به في حالة عدم القدرة على السيطرة على الأمور في العراق، وبالفعل بدأت محافظات الشمال في تكوين فيدرالية تتمتع بالحكم الذاتي المستقل.


إن فكرة تقسيم العراق هي حلم إسرائيل والمحافظين الجدد في الحكومة الأميركية، وهو ما سينتج عنه في كل الأحوال رسم خرائط جديدة لدول الجوار، كما إن تقسيم العراق سيجر إلى لعبة أخرى قد لا تكون محسوبة العواقب وهي تقسيم دول الجوار أو إعادة تشكيل بنيتها السياسية والجغرافية وفق طريقة تؤهلها مستقبلاً للتفتيت.

التعليق