على سوريا أن تطالب بالتحقيق الدولي في اغتيال الحريري لا أن ترفضه

تم نشره في الاثنين 21 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

 


      رأس سوريا مطلوب أميركياً ولا نحتاج إلى أدلة لإثبات ذلك. نعرف جميعاً نوايا المحافظين الجدد والتحريض الإسرائيلي المستمر حتى قبل اغتيال الحريري. الآن تفاقم كل شيء, وتصاعدت وتيرة الحملة عليها بعد اغتيال الحريري تذكرنا بتصاعد الحملات ضد العراق قبيل حربي الخليج الأولى والثانية. وكما هي الحالة دائماً, يكون في تصاعد النبرة وافتعال معركة مسوغات المرحلة الأولى للتدخل العسكري المباشر. وهنا, وفي ضوء اختلال مريع في موازين القوى, ليس هناك من مناص سوى خوض معركة المسوغات بكل ذكاء وإبطال مفعولها أولاً بأول. ليس هذا معناه أن الظفر بمعركة المسوغات قد يبطل الحرب التي يكون قد خطط لها, رغم أن ذلك من الممكن أن يتم, لكنه يعرقلها, يعوق تقدمها, ويعقد مسيرتها ويؤلب خصوماً جددا ضدها.


      في الحالة السورية, لا نرى أن السياسة السورية تفعل ذلك, بل مع الأسف توفر مسوغات رخصية وسهلة بيد خصومها. فمنذ مسألة تعديل الدستور للتمديد للرئيس الحالي أصبح الوجود والتدخل السوري في لبنان مسألة دولية توج بقرار مجلس الأمن رقم 1559. سوريا خسرت خلال السنتين الماضيتين فرنسا, ومعها أوروبا, وهي الدولة التي كانت تعتبر أهم حلفائها. والمدهش أن تحقيق هذه الخسارة تم بتفوق بارع تمثل في دفع فرنسا لتقف في المربع الأميركي ضد سوريا إبان وبعد إصدار القرار المذكور. يحدث هذا في وقت تمثل فيه فرنسا المعارض شبه الأهم لسياسة الهيمنة الأميركية في العالم وخاصة في تجسدها في حرب واحتلال العراق.


 اغتيال الحريري لن يترك لسوريا أي مجال لمحاولة التلاعب بالأوراق. فالنقمة اللبنانية الداخلية على الوجود السوري عارمة ولم يسبق أن بلغت مستواها الحالي والعلني والمكشوف, إن بإعلان "حملة الاستقلال" أو بالنداءات لتحرير "الوطن الأسير". والرأي العالم العربي الرسمي والشعبي لم يعد يطيق أو يقبل المبررات التي تُساق لشرعنة ذلك الوجود, والرأي العام الدولي معبأ بشكل لا مثيل له ضد ذلك الوجود ومتسلح بقرار من مجلس الأمن. يتوج ذلك كله موجة الاتهامات الواسعة التي أشارت بأصابع الاتهام إلى سوريا في مسألة اغتيال الحريري.
 منطقياً وبتحليل بارد يصعب القبول بفرضية وقوف سوريا وراء عملية الاغتيال لأسباب عديدة أهمهما وأكثرها مباشرة هو أنها أكثر طرف متضرر من العملية لبنانيا وداخلياً وعربيا ودولياً. فهي ستكون المتهم الأول ولا يُعقل أن يكون هناك قرار سوري بذلك الاتجاه. على ذلك يبقى أن المُتهم بالعملية هو الطرف الأكثر كسباً, وسواء أكان جهة أمنية داخلية, أم إسرائيل, أم طرفا خارجيا آخر, فإن الكشف عنه هو مسألة بالغة الحيوية لسوريا. ولهذا فعلى سوريا نفسها أن تُطالب بإجراء تحقيق دولي في عملية الاغتيال كي تثبت براءتها, وبالتوازي معها تقرر وبأقصى سرعة ممكنة الخروج من لبنان وتسوية العلاقة الملتبسة التي سممت وما زالت تسمم الأجواء بين البلدين وفي الإقليم.


 طبعاً يتصايح كثيرون عند المطالبة بتحقيق دولي دفاعاً عن "سيادة لبنان" وأن أي تدخل من الخارج في قضية مثل هذه تعني فتح الأبواب للقوى الخارجية وسوى ذلك من مسوغات. مثل هذا الحديث في أعقاب اغتيال الحريري مثير للريبة أكثر من أي شيء آخر. يعلم أصحاب تلك الحجة أن سيادة البلدان العربية منتهكة قياماً وقعوداً وأننا لا نسمع بدفوع المحافظة عليها إلا في حالات يكون من الأفضل التغاضي عنها لتفادي كوارث أسوأ. ولعل أقرب درس إلينا جميعاً هو درس العراق وفرق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل. آنذاك كثر المتصايحون والحريصون على سيادة العراق والرافضون لفكرة ومبدأ فتح أراضي العراق على مصاريعها لفرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة كي تحقق من قضية صار من المعروف أنها خاسرة. ورغم أن الأصوات (وكاتب هذه السطور منهم) التي دعت إلى التعاون التام مع تلك الفرق لأن نتيجة التحقيق قد تساعد ولو في أقل القليل في فضح المزاعم الأميركية كانت قليلة ونادرة إلا أنها تعرضت للنقد الشديد بكونها لا تعطي "القداسة" المطلوبة للسيادة الفارغة عملياً من أي مضمون.


 والآن يعلم المتصايحون على سيادة لبنان أن كل شيء في لبنان يمكن الحديث عنه سوى "السيادة"! لذلك ومن دون بطولات لا معنى لها يجب القبول بالتحقيق الدولي في اغتيال الحريري, ويجب أن تطالب به السلطة اللبنانية وسوريا وكل المدافعين عنها. ويجب أن يكون الهدف والتيقظ هو لمواجهة معركة المسوغات التي إن بدأت فسوف لن تنتهي إلا بسيناريو مفصل على هوى المحافظين الجدد.


 سوريا تتهم إسرائيل مباشرة بأنها كانت وراء عملية الاغتيال. ومن ناحية قضائية وتحقيقية صرفة يجب عدم حذف أي احتمال خاصة عندما يكون الطرف هو عملياً المستفيد الأكبر من تلك العملية. والتعقيد والمهارة التي نفذت بهما العملية تشير إلى أن المنفذ يمتلك قدرات "دولة" أو قدرات فائقة مدعومة من قبل دولة. وعلى هذا فإن مطلب التحقيق الدولي يصبح في هذه الحالة أكثر ضرورة وإلحاحاً ويعلق عليه أمل فك رموز وأسرار هذا الاغتيال الوحشي, أو على الأقل بعض منها.


 إذا واصلت السلطة اللبنانية ومن ورائها سوريا رفض فكرة التحقيق الدولي فإن سوريا ستظل في قفص الاتهام. وسوف يصبح من الصعب جداً الدفاع عن الوضع السوري برمته, وربما تكون بداية الانزلاق إلى السيناريوهات السوداء. أما قطع الطريق على تلك السيناريوهات فيبدأ بالموافقة على التحقيق الدولي, والتعاون مع فرنسا ومحاولة إعادة كسبها إلى الصف السوري. فمعركة سوريا ليست ضد لبنان ولا مع لبنان, معركتها الحقيقية إذا تفاقمت النوايا الأميركية السيئة هي مع الولايات المتحدة. ولنتذكر جميعاً أن معظم التقديرات قبيل حرب الخليج الأولى كانت ترجح عدم قيام الحرب وعدم ضرب العراق بسبب "لا معقولية" السيناريو.

لكن حدثت تلك "اللامعقولية" رغم أن جورج بوش الابن وعصابته المتطرفة لم تكن هي التي تقود واشنطن آنذاك. نحن في زمن "اللامعقول" وأن يتطور الجنون الأميركي باتجاه سوريا عسكرياً وتدخلياً ليس أمراً من ضرب الخيال. ربما يكون أكثر احتمالية مما يتصوره كثيرون. وفي حال أرادت أميركا أن تتخذ مثل تلك الخطوة, فما ومن الذي قد يمنعها حقاً؟
Email: hroubk@aol.com 

التعليق