تباين السياسة الاميركية تجاه كوريا الشمالية والعراق

تم نشره في الجمعة 18 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

     عندما اطلق الرئيس بوش مصطلحه الشهير محور الشر والذي ضم ايران والعراق وشمال كوريا، اعتقد كثيرون انه من غير المفهوم ضم هذه الدول المختلفة جدا ضمن خانة واحدة. وقد اصابوا في ان هذه الدول سوف تحتاج لأساليب مختلفة للتعامل معها ولكنها في الحقيقة تتشابه في انها صاحبة اجندة سياسية متعارضة مع المصالح الدولية العظمى اضافة انها تمتلك القوة الكامنة لتشكل تحديا حقيقي لهذه المصالح. وفي ظل الاعلان الكوري الشمالي الاخير بامتلاك اسلحة نووية والخيار الاميركي باستخدام الدبلوماسية على غيرها من الخيارات، فمن المشروع ان نتساءل عن اسباب اختلاف السياسة الاميركية في الحالة الكورية الشمالية عنها في الحالة العراقية.


     ان توازن القوى الاقليمي مختلف جذريا في الحالتين: ففي حين ان هنالك دولا ذات قدرة اولا وصاحبة مصلحة ثانيا في ردع كوريا الشمالية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وحتى الصين الشيوعية صاحبة المصالح التجارية مع العالم الغربي، لا نجد هذا الحال في الحالة العراقية رغم توفر وتعدد اصحاب المصالح في ردع العراق الا ان قلة منهم كان قادرا على ردعه واولئك القادرون لم يكن لهم مصلحة في ذلك. من هنا وعملا بحسابات الربح والخسارة، كان خيار الولايات المتحدة ان دول المنطقة التي اجتمع بها عنصرا القدرة والمصلحة احرى بتحمل الحصة الاكبر من خسائر مواجهة التهديد الكوري الشمالي. اضف ان الامكانات العسكرية الكورية الشمالية اخطر بكثير واشد غموضا من تلك العراقية وهو على عكس المفهوم الخاطئ في الشرق الاوسط وهو ان العراق صاحب القوة العسكرية الاخطر الامر الذي يرفضه غالبية الخبراء العسكريين. القوة العسكرية الكورية الشمالية استطاعت ان تكون رادعا او على الاقل مبطئا لعمل عسكري ضدها في حين فشلت تلك العراقية في اداء ذلك، مفهوم الردع هنا نسبي وهو ان غزو كوريا الشمالية قد يكون اكثر تكلفة عن مثيله في العراق.


      من الاسباب الاخرى لاختلاف السلوك الاميركي هو انه لا زال راسخا في قناعة الرأي العام الاميركي الثمن العسكري والبشري الباهظ الذي دفعته اميركا في اسيا عموما وفي كوريا على وجه الخصوص ضمن الحرب الكورية الدموية الشهيرة، في حين لا يحمل المواطن او صانع القرار الاميركي هذه الرؤيا عن العراق بل على العكس يحمل ذكريات الحرب السابقة على العراق والتي تحقق بها نصر سهل نسبيا بالمعايير العسكرية. كما وان الرئيس العراقي السابق كان مختلفا عن غيره، وكان من الصعب التنبؤ بسلوكه مما عقد امكانية بناء قواعد للردع الامر الذي لا ينطبق على الحالة الكورية الشمالية او العديد من دول العالم الساعية لامتلاك اسلحة دمار شامل. ففي الحالة الكورية هنالك قواعد للعبة وخطوط حمراء وهنالك تصور جيد واحتمالية واردة للردع الامر الذي لم يكن متوفرا في الحالة العراقية. عدم القدرة على فهم او التنبؤ بسلوك الرئيس العراقي السابق جعله خطرا للغاية خاصة اذا ما كان يتربع على كم هائل من الثروة المادية والبشرية.


      الحديث عن النفط هام ولكن تدمير الاقتصاد الياباني بسبب حرب نووية كورية شمالية سيكون له اثر تدميري مشابه على الاقتصاد الاميركي والعالمي، كما وان العديد من الدول النفطية كانت مستعدة لموازنة اي خلل يحدثه السلوك النفطي العراقي وهي قمة العقلانية بالنظر لديناميكية سوق النفط العالمية. لقد كان عامل النفط اساسيا في الحسابات السياسية على أثر احتلال العراق للكويت لكنه بالتأكيد كان اقل اهمية في الحرب الاخيرة. 

التعليق