د.باسم الطويسي

واشنطن – طهران: مسيرة الغموض الاستراتيجي

تم نشره في الجمعة 18 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

     شهد الأسبوع الماضي مزيداً من التصعيد والحملات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، مما زاد في حدة الغموض في العلاقات المتوترة بين البلدين كالعادة على  ألسنة القادة والزعماء السياسيين منذ اكثر من عقدين ونصف؛ حيث شهدت تلك العلاقات واحدة من أوسع وأعنف حملات الدعاية الموجهة في ربع القرن الأخير.


    ففي الوقت الذي خرج فيه الإيرانيون والأميركيون من الحفلة التي جمعتهما معاً في الانتخابات العراقية الأخيرة فتحت وزيرة الخارجية الأميركية في أول جولة خارجية لها باب الدعاية والتحريض الأميركي من جديد ضد إيران واصفة "حكم الملالي الذي لم ينتخبه أحد بأنه يسيء للشعب الإيراني والمنطقة" وأكمل ذلك خطاب الرئيس بوش حول حالة الاتحاد، في المقابل اتهم الرئيس أية الله خمائني الرئيس الأميركي بالرغبة في تدمير الجمهورية الإسلامية، وليست هذه المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يدخل فيها مشهد العلاقات الأميركية الإيرانية في حمى التصريحات الكلامية ذات النبرة العالية المتناقصة مع السلوك السياسي لكلا الدولتين.


      في القراءة الأولى نلمح بوضوح صراع الأيديولوجيا والمصالح، إلى جانب صراعات النخب والأجيال في الخطاب الإيراني الذي ينظر للسياسة الخارجية وفي مقدمتها نسق العلاقات مع الولايات المتحدة بزوايا متعددة الامر الذي يتطلب أولاً تقدير موقف إيران الإقليمي في سياق أحداث الشرق الأوسط، وامتداد اليد الايرانية نحو الجمهوريات الإسلامية وبحر قزوين واستراتيجيات النفط والغاز في المنطقة، وفي القراءة الثانية يوضح نمط العلاقات الأميركية – الإيرانية قدرة يحسد عليها النظام الإيراني في إدارة مصالحة وسط تصاعد التناقضات وازياد حدة الفوضى الإقليمية، وهي قدرة غاية في الحساسية لأنها تعمل في الغالب تحت الأرض وفي الغرف الخلفية، وتنجح غالباً في ضمان المكاسب الحقيقية في لعبة المصالح الدولية، وبالمحصلة يقوم النظام فوق مثلث المنفعة والاستمرار والاستقرار وهي المطالب التي يبحث عنها أي نظام سياسي في العالم.


      وفي القراءة العلمية لمضامين واتجاهات العلاقات بين البلدين لا نجد أدق من توصيف الغموض الاستراتيجي الذي لم ينفك عن صبغ تلك العلاقات بصفاته، وكما يبدو في العديد من الملفات والقضايا، ففي بداية ما تسميه الولايات المتحدة حربها على الإرهاب وفي أجواء حملات دعائية متبادلة كاد موقف البلدين يتطابق حيث تشكل نمط من التحالف الضمني عمل على دعم تحالف الشمال الأفغاني في مواجهة حركة طالبان وتنظيم القاعدة، وسمحت إيران للطائرات الأميركية أن تهبط في مطاراتها في جنوب البلاد في الحالات الطارئة، كذلك تسهيل نقل الإمدادات داخل أفغانستان ووصل الحد بأن يعمل الضباط الإيرانيون والأميركيون جنباً إلى جنب في دعم تحالف الشمال ضد طالبان والقاعدة.


       ثم صعدت موجة جديدة في إظهار صفحة الخلافات والحرب الباردة بين البلدين، حينما أعلن الرئيس جورج بوش في خطابه الشهير حول حالة الاتحاد في مطلع عام 2002 عن تصنيفه لدول محور الشر، واضعاً إيران في مقدمتها، ولم تنقض إلا شهور قليلة حتى بدأت ماكنة التحضير للغزو الأميركي للعراق ليتزامن ذلك مع ظهور نمط جديد من الغموض الاستراتيجي في علاقات البلدين، فقد جاء الموقف الإيراني الرسمي ليثبت القدرة على الاحتراف في رسم حدود الغموض الاستراتيجي المطلوب لصياغة المصالح بعيداً عن الأيديولوجيا وعقل الثورة ومعتقداتها، حيث يتبادل سياسيون ومسؤولون من مواقع مختلفة لعبة التصريحات السياسية المتناقضة أحياناً، بدأ الأمر لمن يتذكر أو يوثق الأحداث بتصريحات وزير الخارجية كمال خرازي حول رفض الحياد في الحرب القادمة آنذاك، ثم تصريحات الأميرال علي شمخاني وزير الدفاع ثم تصريحات الناطق الرسمي الإيراني التي أكملت حلقة الغموض قبيل الغزو الأميركي للعراق، حينما قال "نحن نعارض هجوماً عسكرياً على العراق، لكننا لن نكون إلى جانب هذا البلد" حيث دارت عجلة الأحداث والتقت المصالح الأميركية والإيرانية في واحدة من أغنى حلقات تاريخها المعاصر، ولكن هذه المرة حول العراق، وهو ما يفسر صفقة الانتخابات العراقية الأخيرة والتوافق الكبير حولها والإصرار المتبادل من الطرفين على موعد الانتخابات بغض النظر عن الصعوبات والفوضى الأمنية التي مازال العراق يحيا فيها، وهو ما يعيد إلى الإدراك ضرورة قراءة جديدة للخطاب الإيراني حيال الاحتلال الأميركي حيث نلاحظ اكثر من مستوى فهناك خطاب موجه نحو الداخل يتحدث عن قوى الاستكبار الدولي والتنين ذي سبعة رؤوس وآخر إقليمي يركز على مفهوم الاحتلال، وثالث عالمي يجيد الحديث عن القوات المتعددة الجنسيات التي تدير الأوضاع في العراق.


        إن إدارة المصالح والصراع بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية بمنطق الغموض الاستراتيجي وأدواته ليس بالجديد فتاريخ هذه العلاقات يحيط به الغموض الواضح تحت عناوين الشك والريبة والوعيد المتبادل، حيث من الممكن للباحث أن يرصد حركة صعود هذه العلاقات وهبوطها ومقارنة السلوك السياسي للدولتين بالمصالح الحقيقية المتحققة لكل منهما مع الحملات الدعائية المتبادلة ومضامينها، فمنذ السنوات الأولى لانطلاق الثورة نجد ثمة حملة دعائية ضخمة يتم تغريقها بصفقة مصالح متبادلة، نتذكر الحملات الدعائية الأولى، ثم التقارب الكبير في عام 1981 الذي عمل على إطلاق سراح الرهائن الأميركان في بيروت، واستمر هذا التقارب عبر قنوات سرية وتحت الأرض وصولاً إلى ما سمي آنذاك بفضيحة (إيران جيت) ثم صعد منهج الغموض وإدارة المصالح بعيداً عن محددات الإيديولوجيا في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني 1989-1997 الذي تبنى سياسات اكثر برجماتيه.


         إن قدرة إيران على مداراة مخالب القوة المتفردة في العالم عبر منهج الغموض الاستراتيجي وقدرتها على تحييد إيديولوجيا الثورة فعلياً عن سلوك الدولة، على قدر ما تثير هذه القدرة الإعجاب بهذه الدولة وسلوكها السياسي في البحث عن مصالحها، على قدر ما تثير الأسئلة حول لعبة المصالح الإقليمية وحجم المسكوت عنه، وحجم الوعي السياسي في إدراك النخب السياسية العربية الحاكمة للعبة المصالح في المنطقة، إلى جانب الحاجة للتميز بين الدعاية والسلوك السياسي على الأرض.
    Basimtwissi@hotmail.com

التعليق