عمال ورواتب

تم نشره في الجمعة 18 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

رجل عجوز على ابواب الستين وان كان المرض والفقر قد اعطياه عشر سنوات اضافية على عمره الحقيقي, ولا يكاد يمشي قليلا حتى يبحث عن مقعد للجلوس, وهذا الرجل الكادح يعمل مراسلا في دائرة حكومية لكنه جزء من طاقم شركة خاصة من شركات الخدمات التي تقدم خدمات الحراسة والنظافة في بعض الوزارات, وهذا الرجل لا يمكنه ان يخفي معاناته وهو يتحدث اليك وبخاصة اذا كنت مراجعا نشيطا تذهب الى تلك الدائرة مبكرا لانجاز معاملتك هروبا من الازدحام, لكن تفرض عليك سلوكيات بعض الموظفين الانتظار ساعة ما بين بداية الدوام وبداية عمل الموظفين.


وفي قاعة انتظار خالية يجلس هذا الرجل الى جانبك ودون ان يتعرف إليك يخبرك انه سأل مراقب العمال في الشركة عن موعد تسليم الراتب, وانه لم يجد جوابا فإدارة الشركة لم تحدد بعد متى ستعطي العمال رواتبهم, وتستغرب استعجال الراتب للحصول على راتب شهر شباط ونحن في اليوم السادس عشر منه, لكنه يؤكد انه يترقب راتب الشهر الماضي الذي ما زال مجهول الموعد, ويتساءل عنه العمال كما يسأل السياسيون عن موعد التغيير الوزاري, ولا يخلو الامر من تخمينات وتوقعات.


والراتب الذي نتحدث عنه كما يقول صاحبه (70) دينارا بعد خصم واقتطاعات, وبسهولة يفصل الرجل مصاريفه اليومية التي تبلغ (95) قرشا ينفقها ليصل من بيته في احد احياء الزرقاء الى احد احياء عمان حيث الدائرة التي يعمل فيها, اما الطعام فلا مكان له في (الاجندة الوطنية) لهذا المواطن, وهو يرضى بكل هذا لكن هذه الدنانير القليلة تتعرض لمماطلة من الشركة, وهكذا فهؤلاء العمال لا خيار لهم الا الصبر, فليس لديهم متسع من الفقر والوقت لفقدان هذه الوظيفة بكل معاناتها, او الذهاب للشكوى في نقابة عمال او وزارة عمل, وبخاصة ان هذا الحال ليس سرا مثل البرنامج النووي الايراني بل قصص وحكايات وشكاوى تتكرر منذ سنوات وبخاصة في هذه الشركات, وبعض هذه القضايا استغرقت شهورا في القضاء, وكما يروي هذا العجوز الكادح فقد كان صاحب قضية على شركة خدمات سابقة كان يعمل فيها ودفع نصف مستحقاته اتعاب محاماة.


واتذكر قبل بضع سنوات واثناء وجودي في احدى المستشفيات العامة كيف كان بعض العاملين في احدى هذه الشركات يحاولون الحصول على رواتب شهور مضت وكنا يومها على ابواب العيد ولم تفلح محاولاتهم, وبعد ذلك وقبله كنا نشهد مشكلات عجز النظافة في هذه المستشفيات, حيث ثبت ان المشكلة ليست في العمال بل في طريقة عمل هذه الشركات واهمالها لعمالها رغم تقاضيها لمستحقاتها من الحكومة.


المشكلة ليست في العقود وما يعنينا اوضاع ارباب العائلات والشباب والشابات العاملين في هذه الشركات, فأي قطاع خاص هذا الذي يصبح موعد تسلم الراتب سرا من اسرار الشركة, وكأن هؤلاء العاملين ليس لهم عائلات او عليهم التزامات وثمن طعام ومياه وكهرباء او اجور بيوت... ولهذا فإن وزارة العمل مطالبة بالمتابعة وتتبع مثل هذه المشكلات التي لا تحتاج الى شكوى من عامل بائس يخشى على وظيفته وقوت اولاده من غضب صاحب الشركة, لكن الوزارة التي تمثل المظلة لهؤلاء المظلومين يمكنها ان تفعل شيئا.


كرامة العامل وحقه جزء من منظومة كرامة الانسان الاردني ولا يكفي ان نصدر تشريعات لا تجد كوادر لتطبيقها, وهؤلاء يرضون بواقع غير سليم هروبا من البطالة وسعيا لامتلاك مورد رزق حتى وان كان مؤجلا.

التعليق