ابتسامات على ضفاف الراين

تم نشره في الخميس 17 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

      في الثالث والعشرين من فبراير، وبعد يوم واحد من مخاطبة حلفاء أميركا في بروكسل، يذهب الرئيس جورج دبليو بوش للقاء المستشار الألماني جيرهارد شرودر في مدينة ماينسي القديمة على نهر الراين. فبعد الخلاف بشأن مغامرة بوش في العراق، عادت المحادثات من جديد بين الدولتين اللتين كانتا تشكلان محور العلاقات بين ضفتي الأطلنطي في الماضي.


      ولكن مهما بلغت درجة الترحيب بالعودة إلى العلاقات الودية، فالأمر لن يتعدى ذلك. فإذا كان الرئيس بوش والمستشار شرودر يظهران للعالم الآن مدى الانسجام الحاصل بينهما، فإن هذا لا يعني انطلاقهما نحو بداية جديدة، بل ببساطة لأن ذلك الانسجام يتلاءم مع مصالحهما التكتيكية. ولو كان الشعب الأميركي قد اختار جون إف. كيري بدلاً من جورج دبليو بوش في شهر نوفمبر الماضي، لكان كل من الجانبين قد نظر إلى اجتماع لم الشمل هذا باعتباره بداية جديدة تغمرها مشاعر الود الشخصي. لكن كلاً من الرئيسين يتشكك في احتمالات تجاوز انقسامات الماضي.


وعلى هذا، فإن اجتماع ماينسي لن يتعدى كونه لقاء من لقاءات المجاملة الدبلوماسية التي تموه على الخلافات الثنائية ذات الشأن. ولن يشهد الاجتماع لقاء أفكار بين الرئيسين، وذلك لأن كل منهما يتبنى وجهات نظر مختلفة في أغلب القضايا الرئيسية.


      ولنتأمل القضية التي قد تكون الأكثر إثارة للنزاع والخلاف، ألا وهي كيفية التعامل مع برنامج إيران النووي. لقد بات عزم ألمانيا ومعها فرنسا وبريطانيا واضحاً على حمل إيران على إيقاف تخصيب اليورانيوم من خلال الحوافز والمفاوضات. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد رحبت الآن بوضوح بالمبادرة الأوروبية، إلا أنها تظل متشككة على نحو صريح وكارهة للمشاركة في هذه المبادرة، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف فرص نجاحها. ومما لا شك فيه أن إخفاق المبادرة سيجعل أميركا تسعى إلى استصدار إدانة رسمية لإيران من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، هذا علاوة على فرض العقوبات عليها.


      الحقيقة أن الولايات المتحدة تحاول الآن بالفعل تخفيف مقاومة إيران من خلال التلويح باحتمالات اللجوء إلى القوة. لكن أوروبا لا تؤيد العمل العسكري، كما أن فرض العقوبات على إيران لا يلقى هناك سوى القليل من المساندة. وإذا ما فشلت المفاوضات، فإن الصدع الذي تعاني منه العلاقات بين ضفتي الأطلنطي قد يعود إلى الاتساع الشديد من جديد.لا نستطيع أن نقول إن الانقسامات بين ضفتي الأطلنطي أقل وضوحاً فيما يتعلق بنزاع آخر، ألا وهو التوصل إلى قرار بشأن ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيرفع الحظر على صادراته من الأسلحة إلى الصين، والذي كان قد فرضه عليها منذ خمسة عشر عاماً في أعقاب مجزرة ميدان السلام السماوي. كان شرودر يدفع  الاتحاد الأوروبي إلى رفع الحظر، وهو تحرك أضحى الآن يبدو وشيك الحدوث.لكن الولايات المتحدة تنظر إلى هذه الخطوة، وعلى نحو مبرر، باعتبارها تشجيعاً للصين في صراعها مع تايوان. وإذا ما اكتملت فلسوف يتم تفسيرها باعتبارها طعنة في ظهر جهود الولايات المتحدة الرامية إلى صيانة الاستقرار في المنطقة.


      فضلاً عن ذلك، هناك مسألة أخرى تحظى باهتمام شديد من ألمانيا، وليس من المنتظر أن تحقق تقدماً ملموساً، وهي بالتحديد الطلب الذي تقدمت به لدخول مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كدولة دائمة العضوية. لكن هذا الأمر ما زال ملتبساً وغير مؤكد الحدوث إلى الحد الذي قد يوفر على بوش الحاجة إلى استخدام حق النقض ضد طلب ألمانيا. لكن الأمر قد يختلف إلى حد هائل فيما يتصل بفرص ألمانيا في تحقيق غايتها إذا ما قررت الولايات المتحدة أن تساند على نحو فعال ذلك المطلب المعقول الذي تنادي به واحدة من أهم حلفائها.


     لكن لقاء ماينسي لن يقرب الجانبين من التوصل إلى موقف مشترك بشأن أي من هذه القضايا، حتى أنه لن يجعل كلا منهما يتفهم وجهة نظر الآخر. وبدلاً من ذلك فإن مداولات الجانبين ستنحصر في أمور أصبحت الآن غير قابلة للخلاف: مثل الترحيب بالتقدم الجديد الهش في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، ودعم الاستقرار في العراق وأفغانستان بعد عقد الانتخابات في كل منهما، والمبالغة في إطراء وتمجيد الرابطة بين ضفتي الأطلنطي.


      مما لا شك فيه أن واضعي مسودة التصريح الختامي منهمكون الآن في إعداد قائمة بكل القضايا التي تحظى باتفاق كامل بين الحكومتين. ولسوف يعمل بوش وشرودر على تعويض النقص في نقاط الاتفاق ببذل أكبر قدر ممكن من الممازحات الودية والملاحظات الرقيقة أمام مراسلي الصحف المحتشدين في ماينسي.


من المؤكد أن هذا أفضل من لا شيء، لكنه لا يزيد على كونه مجرد تغطية مؤقتة للخلافات ولا يحمل في طياته أي حلٍ لها. والأسوأ من هذا أنه لا يوجد ما يشير إلى أن أياً من الرجلين يبدي استعداداً للإفصاح للطرف الآخر عما يدور بخلده بشأن توقعاته حين تلوح الأزمة التالية بين الدولتين في الأفق. ومن هنا بات المزيد من سوء التفاهم والشكوك بين الطرفين أمراً محتوماً.


       وعلى هذا فإن العودة المحتفى بها للود بين الطرفين لا تشكل عودة إلى الثقة المتبادلة. فإن الاختبار الحقيقي للتحالف لا يكمن في الثناء على نقاط الاتفاق، بل في دراسة نقاط الخلاف والتعامل معها بروح من التعاون. ولا أرى أن بوش أو شرودر على استعداد لمثل هذا الاختبار الآن.إذا استمرت الأمور على ما هي عليه الآن، فإن الشريكين الرئيسين على ضفتي الأطلنطي لن يكونا أفضل استعداداً لمواجهة الأزمة القادمة عما كانا في مواجهة الأزمات الأخيرة. ونستعين هنا بتعليق ألقت به مؤخراً ليزلي جيلب الرئيسة السابقة لمجلس العلاقات الخارجية بنيويورك حين قالت: "لقد فقد قادة أوروبا والولايات المتحدة عادة التعاون الجاد".تُـرى ما الذي قد يرد الحياة إلى هذه العادة؟ قد لا تتحقق هذه الغاية بأقل من معجزة: تقدم حقيقي في مسألة النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو ما تستطيع أوروبا والولايات المتحدة، إذا ما حدث، أن تزعما أنهما ساعدتا في تحقيقه. إن النجاحات المشتركة من شأنها أن تجعل كلا من الجانبين يدرك أن القضايا المشتركة ما زالت تربط بينه وبين الجانب الآخر. لكن تلك المعجزة لن تتجسد في ماينسي.

التعليق