الاغتيال السياسي والدولة والعالم

تم نشره في الخميس 17 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

الاغتيال السياسي هو دعوة لتجاوز السياق الذي تم فيه الاغتيال، وإدخال لاعبين جدد من سياق أكبر. فكل اغتيال هو دعوة مفتوحة لدخول أطراف جدد على المعادلة أو السياق السياسي والاجتماعي الذي حصل الاغتيال فيه. جنازة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري كشفت نتائج اغتياله وآثارها على علاقة القوى الكبرى مع المنطقة. لأول مرة يبدو أن العالم الخارجي بدأ يفرض شروطه للتعامل مع أي قيادة في المنطقة. حضور الرئيس شيراك، بغياب الرئيس اللبناني لحود، والرئيس السوري بشار الأسد، يفتح المجال للتوقعات حول مسار تداعيات اغتيال الحريري. فإذا كان الذي خطط عملية الاغتيال ونفذها طرف أو لاعب أقل من فرنسا أو لا يفهم طبيعة الديناميكيات الدولية المعاصرة، ومجرد طرف محلي أو إقليمي، فإن تداعيات الحدث ستتجاوز حساباته.


أولى النتائج التي برزت لاغتيال الحريري، أن الاغتيال السياسي له بعدان، بعد محلي، وبعد دولي. فحتى لو كان قرار الاغتيال والتخطيط والتنفيذ كلها جرت في إطار محلي فقط، فإن التداعيات ذات مستوى دولي. والفريد في نتائج اغتيال الحريري أنه حدث كشف طبيعة التطورات والممكنات في العلاقة بين الديناميكيات المحلية والدولية في الإقليم. ففي لحظة خلل في حسابات أحد اللاعبين المحليين، يتم نقل مجمل الديناميكا المحلية، إلى نسيج من الممكنات التي تدخل في سياق العلاقات الدولية. 


وهناك من يصر على أن الاغتيال السياسي دائماً له فاعلية تصعيد الشأن المحلي إلى المستوى الدولي، أو على الأقل تصعيد السياق الذي حصل فيه الاغتيال لسياق أعلى. فحيثما كان يحصل اغتيال سياسي كانت الديناميكيات المحلية تتصاعد ويفقد اللاعبون المحليون السيطرة عليها، ويفتح المجال للاعبين دوليين للدخول. ببساطة كل اغتيال هو دعوة لدخول أطراف جديدة لمنظومة العلاقة التي حصل الاغتيال داخلها. فقد يتم الاغتيال في إطار تنافس اثنين على منصب مختار أو رئيس بلدية، ولكن الاغتيال لا يلغي المنصب، ولا يلغي فرصة التنافس، ولكنه يؤكد على أن ديناميكيات التنافس التي كانت وأدت إلى أن يغتال أحد المتنافسين الآخر، هذه الديناميكيات تستدعي تدخل مستوى أعلى، لضبط العملية.


هذه النظرية حول الاغتيال السياسي بأنه مدخل لتجاوز السياق الذي حصل فيه والدخول في سياق جديد، لها منطقها، وهي إلى حد كبير صحيحة. والمهم هو أن نكتشف، من خلال حادث الاغتيال وبدء تداعياته، منظومة العلاقة التي تربط السياقات المحلية في الإقليم بالسياق الدولي. حدث الاغتيال والجنازة، مؤشرات على طبيعة القنوات التي تضبط وتنسق علاقة السياقات المحلية بالسياقات الإقليمية والدولية. فهناك مجتمع مأزوم هو المجتمع اللبناني، ومنظومة إقليمية عربية عاجزة، يرافقها حماس ومصلحة دوليان، ولأطراف دولية فاعلة لتعود وتأخذ دورها.


إذ بالرغم من حضور أمين عام جامعة الدول العربية للجنازة، وأنه كان أول الحاضرين، إلا أنه لم يظهر من خلال وجوده أي فرصة أو إشارة لفرصة لموقف عربي يؤكد أن الأزمة الناتجة عن الاغتيال في لبنان سيتم احتواؤها في سياق عربي خالص. فلم تتم الإشارة إلى إطار أو سياق عربي لاحتواء تداعيات الاغتيال، في حين  طالب مجلس الأمن الدولي أمين عام الأمم المتحدة أن يقدم تقريراً ويطلع المجلس على نتائج التحقيق. وقام السفير الأمريكي في بيروت بعرض خدمات واشنطن للمشاركة في التحقيق بالحادث، وأصرت فرنسا على موقفها المطالب بإجراء تحقيق دولي في الحادث، ومن خلال الأمم المتحدة. ولم يكن لرفض وزير خارجية السعودية أي معنى أو قيمة، فلا يكفي أمام حادث اغتيال أن يتم رفض بعض إجراءات السياق الذي سيحتوي تداعيات الحادث، بل من الضروري أن يقدم السياق البديل خيارات فاعليته. وهذا ما لم يفعله الأمير سعود الفيصل وزير خارجية السعودية، ولم تعكسه مشاركة أمين عام جامعة الدول العربية في جنازة الحريري.


أحزاب المعارضة اللبنانية، التي تدعي أن الحريري كان منها، طالبت بحماية دولية، ولكنها لم تطالب بتدخل عربي، ولم تقدم مناشدة لأي طرف عربي للتدخل. إذ بالرغم من بروز أعلام معظم الدول العربية في الجنازة، ولكنها كانت أعلام خارج السياق، وليست من مجرد ألوان للحفل، وقيمتها الوحيدة ربما هي توضيح مدى ضعف وهامشية السياق العربي في لبنان، ومدى انفلات لبنان من السياق العربي. فكل ما قدمه العرب إلى لبنان في حربها الأهلية إطار لدخول القوات السورية ودخول سوريا إلى هناك، ولكن منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية لم يرتفع صوت عربي واحد لمراجعة أسس وجود سوريا في لبنان. وهذا سمح للسياق الدولي لأن يكون هو السيد الحاسم في تحديد مسيرة لبنان المستقبلية، وأفقد اللبنانيين ثقتهم بالإطار العربي الذي يمكن له أن يحل مشاكلهم.


مهمة جامعة الدول العربية هي حماية العرب من أنفسهم، وليس التطنيش بحجة وجود عدو خارجي. وتصريحات عمرو موسى ودعوته للتهدئة في لبنان هي ضحك على الذقون، وهي أشبه بالأعلام العربية التي رفعت في جنازة الحريري. مطلوب موقف عربي أكثر من الدعوة للتهدئة. الأكتاف العربية يجب أن تكون معدة ومؤهلة لان تحمل ما هو أكثر من حبوب التخدير والأفيون والفاليوم. المطالبة من الآخرين توسيع صدورهم يجب أن تأتي من قامة عالية، وعلو هذه القامة مرهون بما لديها لتقدمه للآخرين، وليس بالموكب الذي يقلها.


إصرار الشارع اللبناني على تشييع زعيم لبناني بغياب الرئيس اللبناني، والحكومة اللبنانية وحضور الرئيس الفرنسي جاك شيراك له دلالة شديدة الوضوح. وغياب كل الزعماء العرب عن الجنازة، وحضور الرئيس الفرنسي له أيضاً ذات الدلالة، وهو أن المعارضة اللبنانية التي لا تريد سوريا، لا يوجد لدى العرب ما يقدمونه لها، وهذه دعوة كاملة وكافية ومستوفية كافة الشروط للحضور الدولي إلى لبنان.
غياب أي قامة عربية لحضور الجنازة، وعدم قدرة أي زعيم عربي أن يحضر، وقدرة شيراك على الحضور لجنازة شعبية في لبنان هو أكثر من تأبين للنظام العربي، وأكثر من إعلان إنهاء للسياق العربي الذي يستطيع أن يتعامل مع أزمات المنطقة. والمهم أنه يفتح المجتمعات العربية على علاقة مباشرة مع العالم الخارجي، وبحيث تتجاوز هذه المجتمعات منظومة العمل العربية التي لم تقدم للآن لشعوبها إلا القمع والتجاهل والدم والاغتيالات.     

التعليق