سلطة واحدة وتعددية سياسية

تم نشره في الأربعاء 16 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

     بحصول رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس على التزام من جانب حركتي حماس والجهاد الإسلامي على التزام التهدئة ومنحه فرصة للتوصل إلى اتفاق على هدنة مع الجانب الإسرائيلي، يكون الرئيس الفلسطيني قد قطع الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل نحو قول فلسطيني واحد من سلطة واحدة مع تعددية سياسية تشكل صمام أمان للسلطة السياسية تقيها من الزلل وتمنعها من التغول لو هي أرادت ذلك.

      وتأتي أهمية الاتفاق الذي أعيد التشديد عليه بعد لقاء شرم الشيخ بعد أن كان اتفاقا فلسطينيا داخليا بين الرئيس الفلسطيني وقادة كل من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، أنه يؤكد وحدانية القرار الفلسطيني ممثلا في السلطة الوطنية الفلسطينية التي تعرضت في الآونة الأخيرة إلى التهميش أمام تعدد البرامج وتنوع الممارسات واختلاف المناهج الفلسطينية في التعامل مع القضية.

       فمنذ اندلاع الانتفاضة الثانية برز على الساحة الفلسطينية نهجان: الأول يرى أن الانتفاضة يجب أن تكون انتفاضة شعبية يتقدم فيها العمل والمدني الجماهيري على ما عداه كما حدث في الانتفاضة الأولى التي حقق الشعب الفلسطيني من خلالها تعاطفا لم يستثن منه الشارع الإسرائيلي. والثاني يرى أن إسماع العالم صوت الشعب الفلسطيني يجب أن يأتي من خلال انتفاضة مسلحة تظهر للعالم الفلسطيني القوي، وذلك من خلال العمليات الفدائية وعمليات تفجير السيارات حتى لو استهدفت المدنيين الإسرائيليين، وكذلك من خلال صواريخ القسام ومدافع الهاون التي تسقط على المستوطنات، وهي سياسة جردت الشعب الفلسطيني من قسم كبير من التعاطف الذي كان قد حققه في الانتفاضة السابقة واستجلب عليه دمارا مازالت آثاره ماثلة حتى اليوم في المدن الفلسطينية التي عادت القوات الإسرائيلية إلى احتلالها بعد أن كانت قد رحلت عنها وحولت ما تبقى من السلطة الفلسطينية إلى شاهد على الدمار الذي حل بالمدن والقرى الفلسطينية وحول مقر السلطة في رام الله إلى أطلال.

       مع اندلاع الانتفاضة الثانية أعلن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أنه مع النهج الأول، وانطلاقا من هذا الموقف كان على الدوام يدين العمليات الفدائية التي تستهدف المدنيين ويعلن أن برنامج حكومته هو برنامج السلام الذي وأدته عمليا إسرائيل، وأعلن أكثر من مرة عن مد يده للسلام مع إسرائيل، ولكنه لم يتصد للخيار الثاني الذي واصل نهجه العسكري، وهو ما أنتج نوعا من الازدواجية في الخطاب الفلسطيني الذي بدا سلاميا في الظاهر ولكن طابعه العسكري كان هو الغالب.

        لقد وضع أبو مازن يده على الجرح حين اختاره الرئيس الراحل ياسر عرفات قبل عامين ليكون أول رئيس للوزراء في فلسطين، فرأى أن الخطوة الأولى نحو عمل فلسطيني منسجم مع نفسه وكذلك مع التزامات الفلسطينيين العربية والدولية تكمن في وضع حد للازدواجية المشار إليها أولا وذلك من خلال البدء بوضع حد لما وصفه حينئذ بفوضى السلاح الذي يجب أن تكون له مرجعية واحدة، مع الحفاظ على التعددية السياسية في هذا الإطار، وهو ما شكل في حينه دعوة لكل من حركتي حماس والجهاد الإسلامي للتحول إلى أحزاب سياسية تشارك في الهيئات التمثيلية الفلسطينية وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية وتخوض الانتخابات بأشكالها المختلفة الرئاسية والتشريعية والبلدية والسير قدما في إرساء دعائم مجتمع فلسطيني يناضل من أجل حريته واستقلاله.

         منذ ذلك الوقت جرت تحت النهر مياه كثيرة، فقد رحل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وكان قد رحل قبله الشيخ أحمد ياسين زعيم حماس ومؤسسها والدكتور عبد العزيز الرنتيسي وعدد آخر من قادة حركة حماس ومن بينهم عدد كبير من القادة الميدانيين، وهو ما حد كثيرا من قدراتها العسكرية وخفف من وتيرة عملياتها الفدائية. 

        ولكن أكثر التطورات أهمية هي عودة أبو مازن الذي جاء رئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية هذه المرة ببرنامجه نفسه الذي يقوم على نزع عسكرة الانتفاضة وإعادة الاعتبار إلى السلطة الوطنية الفلسطينية باعتبارها مركز صنع القرار السياسي، وما حدث أخيرا من الاتفاق مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي على أن تلتزما الهدنة وألا تتصرفا منفردتين سوى خطوة أولى على الطريق نحو برنامج فلسطيني واحد تنفذه الأطراف الفلسطينية جميعا تحت قيادة واحدة هي قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية.

 

التعليق