ياسر أبو هلالة

الانتخابات السعودية ...تكرار للنموذج التركي أم الجزائري

تم نشره في الأربعاء 16 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً


    ما تقوله نتائج الانتخابات البلدية السعودية, على محدوديتها ونسبيتها, هو ما قالته الانتخابات البلدية الجزائرية قبل عقد ونصف وهو ما تكرر في الانتخابات البلدية التركية  قبل عقد والتي أوصلت إذاك رجب طيب أوردوغان إلى عرش بلدية إسطنبول ثم هوت به إلى قاع السجن لتقذفه الانتخابات الأخيرة قبل عامين إلى عرش رئاسة الوزراء.

     في السياق ذاته يسمع إلى ما قالته نتائج الانتخابات البلدية الفلسطينية الشهر الفائت, وهو لا يختلف عما قالته انتخابات المجلس الوطني العراقي, ولا أتوقع أن تخرج مقولات الانتخابات الصومالية المزمعة عما سلف.

     فوز التيار الإسلامي المعتدل في السعودية وغيرها يعني أن العرب والمسلمين يريدون حريتهم بالوقت ذاته الذي لا يتخلون فيه عن هويتهم وكرامتهم, أي يريدون أن يكونوا أنفسهم لا أن يتحولوا إلى أميركيين. حتى لو كان الأميركيون سببا أساسيا في إجراء الانتخابات. فالانتخابات الثلاثة الأخيرة :السعودية والعراق وفلسطين ما كانت لتجري لولا المباركة الأميركية إن لم نقل الضغط.

      الفائزون في الانتخابات الثلاثة ليسوا حلفاء أميركا, حتى في العراق! لكنهم في الوقت ذاته لا يحملون السلاح في وجهها, في السعودية ثمة تيار القاعدة الذي يعلن الحرب على أميركا حتى خارج الجزيرة العربية وثمة تيار إسلامي إصلاحي يجاهر بالمواقف المعادية لسياسات أميركا في العراق وفلسطين لكنه لا يحمل السلاح ضدها هذا التيار حقق فوزا واضحا, فهل يرغب الأميركيون بتوسيع التجربة السعودية خارج حدود الرياض؟ في فلسطين تجاهر حماس أيضا في مواقفها المعادية لأميركا, ومع أنها تفجر في شوارع تل أبيب, إلا أنها لا تحمل السلاح في وجه أميركا. ومع أنها مصنفة على قوائم الإرهاب الأميركية إلا أن أميركا تقبلت على مضض فوزها في الانتخابات البلدية.

        في العراق يمكن وصف بعض مرشحي قائمة الإئتلاف المدعومة من السيستاني وإيران بـ"حلفاء أميركا"  لكن جلهم من الإسلاميين الحركيين من حزب الدعوة والمجلس الأعلى, الذين يتعاملون مع أميركا مرحليا ويمهدون لخروجها وإقامة ديموقراطية تحترم هوية الإسلام. أميركا كانت تفضل أن تفوز القوائم العلمانية بالأكثرية مثل قائمة علاوي  والباججي والياور لا بل قائمة الحزب الشيوعي العراقي!

        ينسى الذين أثاروا ضجة على ما نسب للمرجعيات الشيعية من الدعوة إلى اعتماد الإسلام مصدرا وحيدا للتشريع أن قانون الدولة العراقي الذي توافقت عليه قوى مجلس الحكم وأقره بريمر ينص على احترام الهوية الإسلامية ويرفض أي تشريع يخالف الإسلام!

         مشكلة أميركا أن الذين يقاتلون في العراق يرفعون شعارات إسلامية والذين يفوزون في الانتخابات يرفعون شعارات إسلامية وكذلك الذين يقاطعونها, لكنها بالمحصلة تتكيف مع الواقع ولا تنكره, ومن مصلحتها وجود إسلاميين منتخبين لا مستبدين علمانيين.

          لم يعد سرا إن "عقيدة بوش"  في عهده الثاني تتلخص بأن مشكلة أميركا هي الإرهاب, وهو يتركز بالشرق الأوسط لسبب أساسي : غياب الديموقراطية. وليس سرا كذلك أن الفريق الجديد الذي يقود في الخارجية ووكالة المخابرات الأميركية يتبنى هذه العقيدة.

الأميركيون يعقدون المقارنة الآتية بين مصر وإيران, فالأولى تلقت أكثر من ستين مليار دولار مساعدات أميركية خلال عقدين والثانية خسرت أضعاف هذا المبلغ بفعل العقوبات خلال الفترة ذاتها, وفي استطلاعات الرأي الأكثرية الساحقة من المصريين تكره الأميركيين, عكس الإيرانيين. السبب هو أن أميركا تعادي النظام الإيراني وتحابي النظام المصري. ولنتخيل أن انتخابات نزيهة أجريت في مصر وفاز فيها إسلاميون معتدلون هل سيزيد ذلك من معدل كراهية أميركا أم سيخفف منها؟

        عودة إلى الانتخابات البلدية السعودية, هل ستكرر النموذج الجزائري وتنزلق إلى العنف أم تكرر النموذج التركي فترتقي إلى تداول السلطة؟ ما جرى تجربة في مختبر تحلل نتائجها في أكثر من عاصمة, وحسب التحاليل سيكتب لها أن تتكرر أم تكون الأخيرة, والمأمول أن تكون بداية لانهاية وحتى يكون ثمة إسلام معتدل لا بد من أميركا معتدلة أولا.
abuhilala@yahoo.com

التعليق