لبنان على مفترق

تم نشره في الأربعاء 16 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً


    يرجح الكثيرون ولأسباب كثيرة بأن مجلس الأمن جاد وعازم هذه المرة على تنفيذ القرار رقم / 1559 / الخاص بلبنان بما يعني توقع انسحاب قريب للقوات السورية من أرضه، معلناً نهاية حقبة طويلة من التفاهم والتسليم العالمي بدور خاص لسورية في لبنان ومدشناً مرحلة جديدة عنوانها البدء بتحجيم هذا الدور على طريق تخليص النظام السوري ورقته اللبنانية تماماً، وتضع تداعيات هذا المسار لبنان على مفترق يمكن استشفاف سماته وآفاقه تبعاً لتطور عاملين :

     الأول، سلوك السلطة السورية وحدود استجابتها لقرار مجلس الأمن وتالياً طريقة تنفيذه، هل تبدي إصراراً على العقلية القديمة، العقلية الوصائية وأساليب المناورة والممانعة كي تستمر في إخضاع المسار اللبناني لمصالح النخبة الحاكمة وأغراضها السياسية دون اعتبار للجديد الحاصل عالمياً وإقليمياً ولبنانياً، أم تتطلع لصياغة علاقة جديدة بين البلدين تبدأ من إعادة هادئة للقوات العسكرية الى دمشق وتنتهي باحترام حق وإرادة اللبنانيين على مختلف منابتهم ومشاربهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم.

      وإذا اتفقنا جدلاً على أن ثمة غاية استراتيجية لسورية في صراعها مع الكيان الصهيوني بأن يبقى لبنان ساحة وفية وجارا آمنا فمن المحال في الشروط المستجدة الاستمرار في تحديد أوليات وأسس العملية السياسية الجارية في لبنان بدلالة التحديات الخارجية والأخطار المحدقة ودون مراعاة استقلال قراره ومصالح مختلف فئاته وتكويناته، فالإصرار على هذه الطريق سوف يستحضر أسبابا جديدة لتعميق الشروخ وزيادة الحساسيات وتسهيل توظيفها لمزيد من إضعاف الوضع السوري وعزله، بينما المسارعة لتجاوز ذهنية الماضي وأساليب السيطرة والآليات الأمنية العتيقة وتالياً رفع الوصاية السورية عن لبنان وتحرير إرادة مواطنيه يمكن أن يوفر مناخاً صحياً لتفتح دورا حقيقيا وطبيعيا للبنان في حماية المصالح والمصير المشترك ويزيل كثيراً من الأسباب التي خلقت جوا من العداء للسياسات السورية مثلما يساعد على بناء عتبة راسخة من الثقة بين الشعبين لاغنى عنها لإجهاض نيات الأعداء المشتركين ومخططاتهم.

      ومع ذلك، وربطاً مع حجم الخسارة الاقتصادية وانحسار التسهيلات التي كانوا يتنعمون بها في لبنان وأيضاً الخوف من أن يهدد نجاح لبنان الديمقراطي الاستقرار القلق لنظام لا يزال يعتمد أساليب الاستبداد ويرعاها لضمان السيادة والسيطرة، ليس مستبعداً أو مستغرباً أن يلجأ بعض المتنفذين والمنتفعين في سورية الى تضمين ورقة الاستقرار اللبناني حساباتهم، وليس غريباً أن تظهر اندفاعات غير منطقية وأحياناً هجومية ومستهترة تجاه لبنان في محاولة ربما يائسة لوقف تدهور الوزن السوري وإعادة الأمور إلى سابق عهدها، وتالياً الميل الى دفع السياسة السورية رغم شروطها الصعبة كي تخوض معركة النفوذ في لبنان كمعركة  "كسر عظم"  دون تقدير للعواقب المحتملة، ولا نذيع سراً عند القول إن ثمة تعويلا عند بعض صناع السياسة السورية وأصحاب الامتيازات والمصالح الضيقة على إحياء تخلخل الوضع اللبناني وجره الى أزمة وفاق والتهويل بخطورة التيار الإسلامي وأنه يتحين الفرصة للانقضاض على المجتمع ثم التشجيع على تسخين الحدود اللبنانية مع إسرائيل، والإفادة من كل ذلك في صياغة ما يشبه سيناريو متكامل لإظهار الدور السوري كحاجة موضوعية لا غنى عن استمراره في لبنان وأنه خير من يضبط إيقاع الصراع بين اللبنانيين وحدود دور المقاومة في آن، لكن دون تقدير لحجم الأخطار المترتبة في حال أفضى تطبيق هذا السيناريو إلى عكس الأهداف المتوخاة ودفع الأمور إلى ذروة قاتلة قد تبدأ بمعركة عسكرية محدودة وتنتهي بحرب شاملة محسومة النتائج سلفاً في ضوء اختلال موازين القوى.

      العامل الثاني، يتعلق بالحال اللبنانية ومسار تطور مواقف اللبنانيين وصراعاتهم أو تفاهماتهم، هل تعود المواجهات الى سابق عهدها وتدفع الأمور الى نهايتها القصوى وينهار السلم الأهلي، أم تستطيع القوى السياسية الفاعلة خارج وداخل الدولة اللبنانية إدارة الصراع تحت مظلة حكم المؤسسات وسيادة القانون وبناء أجواء جديدة من التعايش والتوافق يثبت اللبنانيون فيها قدرتهم على رسم صورة راسخة لاجتماع ديمقراطي ؟!..

       ثمة قلق واضح بأن لا ينجح الوضع الذاتي اللبناني في استثمار المتغيرات العالمية وتوظيفها لتأكيد حضوره واجتماعه الوطني، خاصة مع ما يشهده الحقل السياسي من شيوع أساليب التحدي واستعراض القوة ولغة المهاترات والانفعال بين قواه ونخبه، والتي لن تخدم أحداً بل لن تؤدي فعلياً إلا الى مزيد من تعزيز دور العوامل الخارجية أياً تكن في تقرير مصير اللبنانيين.

       فالمعارضة اللبنانية والمتطلعون لبناء لبنان ديمقراطي موحد وقد نجحوا في كسر الطوق الطائفي جزئياً وانتقلوا الى موقع الهجوم، معنيون اليوم أكثر من أي وقت مضى في الكشف عن وجه وطني عريض لا تظهر عليه ملامح التسرع وانعدام الصبر، قادر على بلورة خطاب توافقي يفتح الباب واسعاً للتفاهم والتشارك مع مختلف الأطراف اللبنانية دون استثناء وينأى تالياً عن أية اندفاعات أنانية وضيقة تعمق التخندقات وتشعر الخاسر أنه خسر كل شيء ولم يعد له مكان في المرحلة القادمة، ودون هذه الروح من المحال تشجيع مختلف تكوينات المجتمع وفئاته على تقديم التنازلات المتبادلة لخلق التفاهمات وبناء التوافقات أو حسم تردد مجموعات وزعامات سياسية لا تزال تترقب ما يدور من موقع سلبي ومحايد رغم أنها اقرب الى سياسات المعارضة في رؤيتها ومواقفها من الصراع الدائر ومن مستقبل لبنان.

       إن تطور الحال اللبنانية لا يزال قلقاً وحرجاً ولا يزال توازن القوى متقلباً وحساساً ولن ينجح أي طرف لبناني وحده في خلق " بديل " يشكل مظلة للجميع ويحظى بثقة الناس واحترامهم، خاصة وأنه ليس في لبنان اليوم شخصية كاريزمية جامعة وطنياً يمكن أن تملأ الفراغ الناجم عن غياب الوزن السوري وليس من قوة، بعد أن انحسرت الثقة بعمومية السلطة وحيادها، قادرة على لعب دور رئيس في ضبط الصراعات الداخلية وترشيدها تحت مظلة واحدة، وتالياً ما يحصل من تطورات واندفاعات وتحزبات لن تثمر وتأتي أوكلها إلا إذا نضجت قدرة الشعب اللبناني على الانتقال من عهد الوصاية الى حكم نفسه بنفسه، وتمكن اللبنانيون من تجاوز سقف التحزب مع القرار / 1559 / أو ضده، وأبدوا نوعاً من الحرص العام على الحياة المشتركة على قاعدة حاجة إصلاحية ديمقراطية متعددة المستويات، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، تشارك في إنجازها كافة القطاعات والقوى الحية في الدولة والمجتمع اللبناني، وتتضمن إشهار الرغبة في صياغة علاقات صحية ومتكافئة مع سورية وتطمينات جدية بأن لا يتحول لبنان الى نقطة ضعف أو جرح مفتوح في خاصرتها، وأيضاً تطمينات موازية بالحرص على مصير العمال السوريين في مختلف القطاعات الاقتصادية اللبنانية ووضع قوانين عادلة تضمن حماية وتوازن لشروط حياتهم وأعمالهم.

        وإذ يعتبر الشأن اللبناني في أكثر من وجه شأناً سورياً فإن الدعوة الى رفع الوصاية عن الشعب اللبناني هي صنو الدعوة الى رفع الوصاية عن الشعب السوري، بما يؤكد ارتباط مسار العملية الديمقراطية في سورية وتقدمها مع تقدم سلوك النظام السوري تجاه لبنان، فأن يقف اليوم لبنان على مفترق حاسم ومصيري فإن الحال السورية تقف أيضاً للأسباب والدوافع ذاتها على مفترق حاسم ومصيري!!..

التعليق