جولة كوندا ليزا

تم نشره في الأربعاء 16 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

      القراءة المدققة لجولة كوندا ليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية الى اوروبا وتركيا وفلسطين مهمة جداً بسبب كونها النشاط الديبلوماسي الاميركي الاول في الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الاميركي جورج دبليو بوش. وذلك لأنها تكشف اتجاهات السياسة الاميركية واولوياتها. ومن ثم, ففي هذا اجابة اولية عن التساؤل: ان كان ثمة تغيير عن الاستراتيجية السابقة ام ستكون تكراراً لها من حيث الجوهر مع محاولة تلافي ما ارتكب من اخطاء, فضلاً عن الاولوية التي ستحكم السياسات الاميركية خلال السنتين القادمتين على الاقل.

        لعل اهم ما قامت به كوندا ليزا رايس في جولتها تمثل في زيارتها لفرنسا, ومحاولة رأب الصدع معها من اجل بناء تعاون جديد يخدم اولويات السياسة الاميركية في مرحلتها الجديدة.

          طبعا لا حاجة الى التأكيد على اهمية فرنسا من حيث كونها مفتاح اوروبا المتحدة, او من جهة ثقلها الدولي. وقد ثبت ان اميركا من دون حلف الاطلسي اي من دون الاتحاد الاوروبي, اي من دون فرنسا ستمنى بالفشل تلو الفشل في النطاق الدولي العام وحتى على مستوى بلد واحد مثل ما دلت تجربة العراق او فلسطين, او اية قضية طرحت في مجلس الامن.

         فعلى الرغم من ان عنجهية بوش وادارته المتطرفة بما فيها كوندا ليزا رايس نفسها تحول دون اعترافهم بأخطاء ارتكبوها في المرحلة الماضية. وعلى الرغم من ان ديك تشيني نائب الرئيس لم يعتذر هو ودنالد رامسفيلد وزير الدفاع عما ابدياه من احتقار لـ "اوروبا القديمة".. هذا ولم تعترف كوندا ليزا رايس حين طالبت بمعاقبة فرنسا بسبب موقفها من العراق بأنها اخطأت وحتى اساءت اللياقة الديبلوماسية. لكن زيارتها المذكورة تكشف عن محاولة لتلافي الاخطاء التي تتمنّع الدولة الكبرى التي تعتبر نفسها "القطب الاوحد" عن الاقرار بها. والا كيف يفسر حرصها على استرضاء فرنسا ومعها بالطبع اوروبا (حلف الناتو) اذا كانت السياسة السابقة صائبة. وجاءت بالنتائج المرجوة؟

      ويلحظ في هذا الصدد, من جهة اخرى, ان فرنسا مازالت مصرة على ان تدار شؤون العالم من خلال نظام متعدد القطبية. فهي تشعر ان اميركا, والفضل الاول للشعب العراقي ومقاومته وممانعته, تعاني مأزقاً قاتلاً في العراق, وان الامور بالنسبة اليها في السنوات الثلاث الماضية لم تسر على ما يرام. بل بالعكس تدهورت سمعة اميركا وهيبتها وتفاقمت عزلتها الدولية وتعمقت ازمتها الاقتصادية والمالية.

     ولهذا فإن هذه هي فرصة فرنسا واوروبا لانتزاع اقرار اميركي, ولو من دون الاعتراف بخطأ, ان لا غنى لها عن حلف "الناتو"- حلفاء الاطلسي. ومن ثم عليها ان تدفع ثمن ذلك. وهو التفسير للموقف الفرنسي حين تعاون مع ادارة بوش في الموضوع السوري - اللبناني (قرار 1559) وما صدر من تصريحات اثر زيارة كوندا ليزا رايس حول ايران. ما يعني ان الوضع العالمي والاقليمي قد يشهد معادلة جديدة اذا ما كان المتغير في الموقف الاميركي الراهن من فرنسا واوروبا سيتحول الى اتجاه, وليس مجرد اتفاق محدد في الموضوعين المتعلقين بايران وبسوريا - لبنان. لان فرنسا لن تكسب شيئاً ان كان محصوراً بنقطتين وغير شامل لما هو اعم على النطاق العالمي, كما للمجالات الاقتصادية. اي القبول بمبدأ تعدد القطبية, ولو على مستوى اميركا - اوروبا. ومن ثم من السابق لأوانه اعتبار ان معادلة دولية جديدة قد تشكلت, لأن من غير السهل ان تتراجع ادارة بوش الى الحد الذي تطلبه فرنسا بما يعنيه من تخلٍّ عن استراتيجية "نظام القطب الواحد", وعن جوهر استراتيجية الامن القومي الاميركي المعلنة في 20 ايلول/سبتمبر 2002 .

       على ان الجوهر الذي يمكن التقاطه من زيارة كوندا ليزا رايس وتصريحاتها, وما بدا من مؤشرات اتفاق مع فرنسا, ان اولوية السياسة الاميركية للسنتين القادمتين هي انهاء علاقة ايران بالنووي, ولو للأغراض السلمية, ولو وضعها تحت رقابة دولية مشددة, انهاء كاملا. وسيكون ذلك اما عن طريق الديبلوماسية واما عن طريق القوة العسكرية المباشرة (ليس بالضرورة على الشكل "العراقي"). فالذين يحددون اولويات السياسة الاميركية, في منطقتنا, هم المحافظون الجدد ونواتهم المخططة, والمؤثرة في القرار, مجموعة ليكود الادارة الاميركية الذين جعلوا من العدوان على العراق واحتلاله, اولوية السياسة الاميركية. ودفعوا إلى تأزيم علاقاتها بفرنسا والمانيا والعالم من اجل ذلك.

      الذي يتابع الموقف الاسرائيلي والصهيوني العالمي من مجرد اقتراب ايران او اية دولة في المنطقة من النووي يدرك ان هذا الموضوع ينظر اليه بمثابة "الخطر الاكبر" الذي قد يتهدد "مستقبل اسرائيل". ومن هنا يفهم لماذا اصبح الموضوع النووي الايراني اولوية في السياسة الاسرائيلية - الاميركية ومن ثم محاولة "الليكود" الصهيوني في الادارة الاميركية تصويره باعتباره مصلحة اميركية عليا. بل يقول شمعون بيريز ان هذا الموضوع يجب ان يكون قضية العالم.

      اذا صح ان اولوية السياسة الاميركية والاسرائيلية ذات التوتر العالي الآن هي اجبار ايران على التخلي عن مساعيها, وحقها, في امتلاك القدرة النووية للاغراض السلمية فسوف يدرك فوراً لماذا اصبح انهاء وجود المقاومة (حزب الله) في جنوبي لبنان في مقدمة تلك الاولوية. وذلك لخدمة الضغوط السياسية على ايران كما لتجنب ما يمكن ان يحدث في حالة اللجوء الى القوة العسكرية. الامر الذي يفسر, بدوره المعركة ضد سوريا لإجبارها على ان تقوم هي بإنهاء الوجود العسكري لحزب الله في لبنان. واذا حلت هذه القضية فسيصار الى تغيير الموقف من سورية (مؤقتا طبعا), بما في ذلك القبول ببقائها في لبنان. وهذا بالضبط هو دافع القرار1559 .

      هذا ومن خلال تحديد هذه الاولوية, ان صح, يمكن ان يفسر لماذا اصبحت التهدئة في الساحة الفلسطينية ملحة للغاية. ولماذا قبل شارون, بمباركة اميركية, ان يشارك في قمة شرم الشيخ الرباعية فضلا عن مكاسب اخرى من الدرجة الثانية مثل تبييض صفحته والخروج من عزلته. ولماذا يراد اشاعة مناخ يوحي كأن افاق التسوية وحل القضية الفلسطينية اصبحت رحبة, او هي في الطريق لتكون كذلك. ببساطة, من وجهة نظر اميركا والدولة العبرية: المطلوب هو التعبئة او التهيئة الاقليمية والعالمية لخدمة الاولوية آنفة الذكر.

صحيح ان كل حدث له معطيات متعددة. وصحيح ان ليس لكل طرف ينخرط فيه الاولويات نفسها, والهدف نفسه, لكن من غير الممكن فهم الحدث بحد ذاته من دون ربطه بأولوية القوى الأكثر تأثيراً فيه. فمثلا كانت السياسات المصرية والاردنية والفلسطينية تسعى خلال الاربع سنوات الماضية الى خطوة ما مثل قمة شرم الشيخ, والخروج بإعلان وقف اطلاق نار, او تهدئة, او هدنة. لكن المستجد الذي سمح بعقده فهو قبول شارون ودعم اميركا, الامر الذي يفرض ربطه من زاوية الادارة الاميركية والحكومة الاسرائيلية بما تحددانه من اولوية لسياساتهما في المرحلة الراهنة.

    وهو ما يفسر ايضا سعي كوندا ليزا رايس لرأب الصدع مع فرنسا واوروبا من اجل الحشد العالمي ضد ايران وسوريا ولبنان. فالمنطقة باتجاه التأزيم والفوضى والحرب ما دامت تلكم هي السياسة الاميركية.

التعليق