ما مدى الحاجة للشركاء الاستراتيجيين ؟

تم نشره في الاثنين 14 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

       دخل مصطلح الشريك الاستراتيجي إلى النشاط الاقتصادي الأردني مع المباشرة بتخصيص بعض المؤسسات الحكومية كمؤسسة الاتصالات الأردنية، وشركة الإسمنت والبوتاس العربية.


      وقد استندت الجهات المعنية بالتخاصية والمعنيين بصناعة القرار الاقتصادي في تبريرهم لاستقدام الشركاء الاستراتيجيين، لدورهم المأمول بجلب التكنولوجيا المتقدمة وإدخال رساميل جديدة إلى سوق الاستثمار الإردني وفتح أسواق جديدة للمنتجات الأردنية المراد خصخصة شركاتها ومؤسساتها، كذلك لتعزيز دور القطاع الخاص الأردني في النشاط الاقتصادي، وغيرها من التبريرات، التي لم تبد مقنعة منذ ذاك الوقت وحتى الآن لتناقضها مع أبجديات العمل الاقتصادي الصحيح.


      فالحاجة للخبرات الفنية للشريك الاستراتيجي عادة ما تبرز في بداية تأسيس المشروع وهي المرحلة الحرجة من عمر المشروع ، حينما لا تتوفر خبرة محلية في ذاك المجال ولا تتوفر دراية كافية بالتسويق والأسواق الخارجية، وليس بعد تجاوز المشروع للمراحل الحرجة ومزاولته لأعماله بنجاح وولوجه للأسواق الخارجية بكفاءة، وتحقيقه لربحية عالية، ودعمه الكفؤ لإيرادات الحكومة من مسربين، الأول كعوائد الاستثمار الكبيرة عن ملكيتها أو مساهماتها في رأسمال الشركات المخصخصة كالإسمنت والبوتاس والاتصالات، والثاني من خلال ضريبة الدخل التي كانت تتقاضاها على أرباحها، وبالتالي فلا يوجد أية مشاكل مالية للحكومة مع هذه الشركات والمؤسسات الناجحة .


     وللتغلب على مشكلة الحاجة للتقنيات الإنتاجية المتطورة التي تطرح حديثا في الأسواق العالمية فبمقدور الشركات الأردنية في الفوسفات والكهرباء والبريد والبوتاس والإسمنت والخطوط الجوية الملكية جلبها واستخدامها بمساعدة خبراء يُستَقدمون حيثما اقتضت الحاجة إليهم، أما أن يستغل موضوع الخبرات والتقنيات الحديثة كذريعة لبيع شركات ومؤسسات أردنية ناجحة فأمر لم تثبت صحته على ارض الواقع . 


    إضافة لذلك يتوفر في الأردن رؤوس أموال ضخمة تبلغ أكثر من عشرة مليارات دينار مودعة في البنوك التجارية جاهزة لشراء حصص الحكومة في الشركات المراد خصخصتها بالشراء المباشر لأسهم الحكومة عبر سوق عمان المالي الذي يوفر بيعا عادلا وشفافا لأسهمها أكثر مما توفره عمليات البيع المعهودة عبر المستشارين الماليين المستقدمين من الخارج، كما أن ارباح الشركات التي تؤول للمستثمر الاردني تستقر ويعاد استثمارها في الاردن بدلا من قيام الشريك الاستراتيجي بتحويلها إلى الخارج .


    أما الشريك الاستراتيجي، فتبرز الحاجة إليه، عندما تكون المشاريع متعثرة إما لسوء إدارة أو نتيجة لنقص في الخبرات الفنية المحلية، حينذاك يبدو معقولا استقدام الشريك الاستراتيجي لتقديم الخبرات البشرية والتكنولوجية التي تدعم المشروع المتعثر وتضعه على سكة النجاح .


     كما تبرز الحاجة للشريك الاستراتيجي في حال تأسيس شركات ومشاريع جديدة ورائدة ، لا يتوفر للأردن مثيل لها أو خبرات في مجالها، كالمجالات المتعلقة بإنشاء مصانع للسيارات لتغطية احتياجات السوق الاردني ومنطقة الشرق الأوسط، أو إنشاء مفاعل نووي لغايات توليد الطاقة الكهربائية وتحلية مياه البحر لسد النقص في المياه المخصصة للشرب، أو لتأسيس مصانع لأجهزة الحاسوب المتطورة والبالغة التعقيد، وإنتاج توابعها من التجهيزات المكَمِلةَ الأخرى، أو في حال العزم على تصنيع الطائرات، أو التنقيب عن النفط والمعادن الأخرى غير المكتشفة أو المكتشفة وغير المستغلة كالنحاس والمنغنيز، أو لجلب شريك استرتيجي يغطي على التقصير بجر مياه منطقة الديسي التي تعتبر من أنقى المياه الصالحة للشرب في العالم، والتي يتم تخصيصها حاليا لسقاية المزروعات، بينما تخصص المياه العادمة بعد عمليات تكريرها لشرب الإنسان في عمان والبلقاء بدلا من تخصيصها لري المزروعات، حيث تبدو الأمور في هذا الجانب وفي غيرها من الجوانب الأخرى، معكوسة رأسا على عقب، كالعلاقة العكسية بين التفاضل والتكامل في علم الرياضيات .


     إن الإدارة والحاكمية الرشيدة التي يتحدث عنها العالم كثيرا في يومنا هذا، تتطلب في مجال التخاصية لدينا التمييز بذكاء بين الأوجه التي يلزم الأردن استقدام الشريك الاستراتيجي، والتي لا تستلزم ذلك، انطلاقا من مصالحنا واحتياجاتنا الوطنية، لا أن يتحول موضوع استقدام الشريك الاستراتيجي إلى هدف بحذ ذاته لا معنى له.  

التعليق