طبيعة المرحلة على الصعيد الوطني

تم نشره في الأحد 13 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

لا شك بأن المجتمع الأردني قد خطى خطوات كبيرة في طريق التطور والتقدم، وحقق إنجازات كبيرة على الصعد التعليمية والخدمات الصحية والبنية التحتية ، إلا انه ما زال يعاني من اختلالات تنموية اقتصادية واجتماعية وسياسية تعيق من عملية تطوره وازدهاره ، لا بل قد تهدد المنجزات اللاتي تحققت، فالمجتمع بحاجة إلى إعادة النظر في منهجياته في ظل التطورات الجذرية التي حصلت على صعيد المنطقة والعالم . لن يتحقق التقدم والنمو والازدهار للمجتمعات النامية، والأردن واحدة من تلك المجتمعات ،إلا بشرط رئيس يتمثل  بتنمية قوى الإنتاج الوطني/ القومي ، وهذا يشترط بدوره توفير التراكم المالي والتراكم المعرفي  والإرادة السياسية ، على أن يستند إلى فهم الصيرورة  التاريخية لتشكل نمط/أنماط الإنتاج وتشكيلاته السياسية الاجتماعية، فليس ثمة نموذج يتكرر عبر التاريخ والجغرافيا ، والتقدم مرهون دائما بالابتكار في ضوء المعرفة الملموسة لخصائص المجتمع ومحاولة فهم الواقع والتعامل معه.


تعتمد التركيبة الطبقية في أي مجتمع على نمط الإنتاج ومدى تطور قوى الإنتاج ، فينقسم المجتمع تبعا لذلك إلى طبقات وفئات وشرائح اجتماعية ، ذات مصالح متمايزة ومتكاملة ، وفي المجرى التاريخي للتطور، يأخذ صراع المصالح هذا أشكالا مختلفة ، منها الدموي ومنها السلمي ، منها الفوضوي ومنها العقلاني، تعبيرا حقيقيا عن اختلاف المصالح،  وفي هذه المرحلة التاريخية، التي يسود بها نمط الإنتاج الرأسمالي المنتج ، ينقسم المجتمع إلى مالكي وسائل الإنتاج وبائعي قوة عملهم، وهذا ينطبق على الدول الرأسمالية المتطورة والتي تدعى بالمركز، أما ما يسمي دول المحيط أو الدول النامية فتتميز بتعدد وتداخل أنماط الإنتاج، وتخلف وسائل الإنتاج، في آن واحد، وسيادة طابع المجتمع الاستهلاكي غير المنتج، فينقسم المجتمع إلى شرائح متعددة، ويبرز الكمبرادور(السماسرة، فئة غير منتجة، وكيلة البضائع والسلع الأجنبية في السوق الوطنية) والبيروقراطية المدنية والعسكرية وكبار المزارعين في طرف والشغيلة من فلاحين وعمال وانتلجنسيا في الطرف الآخر. ومع الانتقال المتدرج للرأسمالية من مرحلة "الرأسمالية القومية "، إلى مرحلة"الرأسمالية متعدية القوميات" مرحلة "العولمة المتوحشة"، يتنامى تدريجيا تبعية دول المحيط للمركز الرأسمالي ويتنامى تبعا لذلك دور الكمبرادور في إطار التحالف القائد في دول المحيط وتأخذ دور القيادة، فتعمل على تسخير المجتمع والدولة لمصلحة قوى "العولمة الرأسمالية"، وتعيق بذلك تطور قوى الإنتاج الوطني وتمنع الازدهار المتوازن للمجتمع. ولربما ساهم الشطط الرغبوي لدى " الليبراليين الجدد" في مجتمعات دول العالمثالثي، وعدم إدراكهم للشروط الموضوعية لتطور المجتمعات النامية، ومراهنتهم على إنجاز التنمية من خلال "الاندماج" في السوق العالمي الموحد، والذي لم يستكمل شروط تكونه بعد، في احداث تشوهات كبيرة  و"إعاقات " في طريق التنمية الحقيقية لهذه المجتمعات، ونظرا للتراكم المعقد للأزمة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، الذي أنتجته السياسات التي اتبعت على مدى العقود السابقة في هذه البلاد، ندرك كم هي معقدة الحلول التي يجب إبداعها لمواجهة هذه الأزمة. ففي إطار النظرة الناقدة الموضوعية ، يتضح أن أزمة التنمية والتقدم ، تظهر بصيغتين اثنتين هما "أزمة النمو" متمثلة في أزمة تنمية مصادر الثروة واحداث التراكم المالي  "والأزمة البنيوية" والتي تتطلب التراكم المعرفي ، بصيغتيه العلمية والفكرية . فاستيعاب المتغيرات الجوهرية التي حدثت على الصعيد العالمي وعلى صعيد المنطقة، والتفاعل مع نتائجها، باعتبار تدفق الاستثمارات / المساعدات / القروض الميسرة (التراكم المالي) ، مرهون ولفترة طويلة قادمة، إلى الاستراتيجية الإمبريالية - الصهيونية في المنطقة  " الوطن البديل"  و "الشرق الأوسط الكبير" و " النظام الدولي الجديد"  ويوظف حسب مصالحهم،  ومرتبط أيضا بصيرورة الصراع المحتدم شرقا وغربا، على الأرض العراقية والفلسطينية ، والذي يبدو أنه سيمتد فترة ليست بالقصيرة ، وأن سياسة الخنوع لإرادة ما يسمى الهيئات الدولية " البنك الدولي ، صندوق النقد الدولي ، منظمة التجارة العالمية" هو ما يفرغ الحق في التنمية من مضمونها ويحرم الشعوب من الأدوات التي تمكنها من وضع سياسات تنموية وطنية، توفر موارد ووسائل تنفيذها، وهو ما يؤدي إلى تقويض المجتمع وتحويل أفراده إلى مجموعة من العاجزين. هذه المنظومة المنهجية ومرجعياتها المتبعة لاحداث تنمية حقيقية كما تراءى لهم (الليبراليين الجدد) ، قد وصلت إلى سقف حلولها الممكنة ، فضمن هذه المنهجية ، وبالرغم من تطبيق جميع وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين ، على الصعيد الاقتصادي ، والتغيير المستمر للحكومات على الصعيد السياسي الإداري والأولويات على صعيد الخطط،  عجزت عن حل المعضلة الرئيسة المتمثلة بتأمين جناحي التنمية، التراكم المالي والتراكم المعرفي، وبات عليهم (الليبراليين الجدد)  إفساح الطريق أمام منهجية جديدة منتجة.

التعليق