الحنين إلى الوطن ... عند اليهود العراقيين وليس الفلسطينيين

تم نشره في الاثنين 7 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

    حظي موضوع مشاركة الإسرائيليين، أو اليهود من أصل عراقي، في الانتخابات العراقية بتقرير كامل بثته قناة الجزيرة القطرية يوم الانتخابات في الثلاثين من الشهر الماضي، وذلك ضمن التغطية الشاملة التي خصصتها القناة لهذا الحدث. وقد أثير هذا الموضوع قبل أسبوعين من موعد الانتخابات عندما صرحت المتحدثة باسم المنظمة الدولية للهجرة سارة توش أنه بإمكان الإسرائيليين المشاركة في الانتخابات العراقية. وآنذاك أوضحت المسؤولة أنه "حتى يتمكن الإسرائيليون من أصل عراقي من التصويت عليهم أن يقدموا وثيقتين لإثبات هويتهم, على أن يكون الناخب من أب عراقي وأن يكون قد ولد قبل 31 كانون الأول 1986". ولكن فريد أيار، المتحدث باسم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، نفى ما صرحت به توش وقال: "إن أي شخص يتقدم حاملا وثائق إسرائيلية ليثبت أنه عراقي الأصل لن يتمكن من التصويت كوننا لا نعترف بهذه الدولة". ولكنه تابع قائلا "إننا نرحب بيهودي من أصل عراقي أيا كانت جنسيته ...".


   في تعليقها على الموضوع أدرجت صحيفة الواشنطن بوست تصريحات لإسرائيليين من أصل عراقي من بينهم شلومو هيليل، الرئيس السابق للبرلمان الإسرائيلي، الذي قال: "في حال شارك اليهود من أصل عراقي في إسرائيل فإنها ستكون خطوة مهمة تبرز النية لدى العراق لتغيير الاتجاه". وقال موردخاي بن بورات بأن الانتخابات العراقية "ستكون فاتحة نحو علاقات مستقبلية بين إسرائيل والعراق. أنا أشجع التصويت بين صفوف اليهود العراقيين في إسرائيل أو في أي بقعة من العالم". ويتضح من هذين التصريحين أن ما يريده الاثنان لا علاقة له بـ "اليهود العراقيين" بقدر ما هو تطبيع العلاقات بين العراق وإسرائيل. هيليل هو أيضا عضو شرف في منظمة "العدالة من أجل اليهود من البلدان العربية" وهي منظمة دعمتها المنظمات اليهودية وإسرائيل وتأسست عام 2002 للمطالبة بتعويض اليهود العرب الذين تركوا البلدان العربية. وهدف المنظمة سياسي محض، ولا يهمها تعويض اليهود العراقيين أو المطالبة بعودتهم إلى العراق، وإنما إلغاء حق العودة للفلسطينيين وحتى حرمانهم من حقهم بالتعويض.


   عرفت الواشنطن بوست بن بورات بأنه "بغدادي أشرف على هجرة 130 ألف يهودي عراقي إلى إسرائيل بعد تأسيسها بفترة وجيزة"، لكن ما لم تشر إليه الصحيفة الأميركية هو أن بن بورات كان عميلا للمخابرات الصهيونية، ويعتقد البعض أنه نفذ عمليات تخريبية في بغداد، حتى أن اليهود العراقيين في إسرائيل أنفسهم أطلقوا عليه اسم "مراد أبو القنابل". وفي مقابلة نشرت في الجيروسالم بوست عام 2003 تطرق بن بورات إلى المحطات الرئيسية في حياته. ولد بن بورات في بغداد عام 1923 وترعرع في الأعظمية، وكان أبوه نيسيم مراد يدير متجراً للخردوات وأجزاء حديدية لعربات كان يستوردها من إنجلترا. وبعد عام 1941 قررت العائلة ترك العراق وبعد حصولها على جوازات سفر مزورة استقلت، في شباط عام 1944، طائرة جومائية حطت على سطح البحر الميت. وبقي هو في العراق لينهي امتحانات المترك، وفي أيلول عام 1945 خرج مع ستة آخرين عبر "طريق أوصله إلى بيروت، ووصل إلى فلسطين سيرا على الأقدام". وبعد "حرب الاستقلال" وقع عليه الاختيار للعودة إلى العراق ومساعدة "اليهود، الذين كانوا يعانون من الاضطهاد والتعذيب من قبل الشرطة". وانتظر شهرا في إيران وهو يحاول الحصول على جواز سفر مزور، وفشلت المحاولة، فدخل العراق متنكرا كبدوي. وعلى الفور بدأ العمل مع الحركة السرية المعروفة باسم "حلوتس"، التي كان عضواً فيها قبل مغادرته العراق.


   لم يشر بن بورات إلى مهمته الحقيقية عام 1950، وقد تمثلت بتحريض اليهود العراقيين على مغادرة العراق وتورط على ما يبدو بتدبير تفجيرات كالذي حصل في باحة كنيس "مسعودة شيمتوف" في بغداد. لكن بن بورات يقول إن عمله اقتصر على "مساعدة الصبيان والبنات، الذين يريدون عبور الحدود". وفي العام 1979 أرسله مناحيم بيغن، رئيس الوزراء آنذاك، إلى إيران لـ "إنقاذ" اليهود هناك، وبقي في إيران ثلاثة أسابيع، بصفته مبعوثاً لـ "مجلس الوكالة اليهودية"، و"نجح" قبل وقوع الثورة الإسلامية بإخراج 2000 يهودي إيراني.


    وفي عام 1982 عين بن بورات وزيرا بلا حقيبة ليكون مسؤولا عن إحضار اليهود من البلدان العربية، وهي مهمة كانت تنجز "بمشاركة الموساد". وبن بورات يتذمر من طبيعة العلاقات بين الدول العربية ويرى أنها لا تستحق الثقة فيقول: "لا أدري كم ستدوم الاتفاقيات التي أبرمناها مع البلدان العربية. ينبغي أن نثق بأنفسنا باستمرار، وأن نكون قادرين على الدفاع عن أنفسنا، لا نستطيع أن نعتمد على اتفاقية، خاصة مع العرب الذين لا يحترمون الاتفاقيات بين بعضهم". وهو، الذي يتكلم لغة الضاد، "يفهم" العقلية العربية: "كان بإمكاننا القيام باتصال مع العرب بشكل أفضل، نضرب عندما نحتاج لأن نضرب، أن نعطي الجزرة، ثم العصا. هذه هي العقلية العربية. ويؤسفني أنهم لم يفهموها هنا ... هم يعطون مرة العصا بدلا من الجزرة، ومرة الجزرة بدلا من العصا". وموشي دايان، الذي يشير إليه بن بورات على أنه صديقه: "كان يعرف متى يعطي الجزرة ومتى يعطي العصا". 


   هذا هو الرجل الذي كان مؤخرا يشجع اليهود العراقيين على الإدلاء بأصواتهم! وهو يرأس اليوم "مركز التراث البابلي اليهودي" الذي ظهرت قاعاته ومعروضاته في تقرير قناة الجزيرة القطرية. هذا المركز يقع في أور يهودا التي أسسها بن بورات في الخمسينات كـ "مخيم" لإيواء اليهود العراقيين، وسرعان ما تحول "المخيم" إلى مدينة. واكتفت الفضائية القطرية بالإشارة إلى موقع "المركز" في ضواحي تل أبيب ولم تذكر أن "مخيم" أور يهودا قد أقيم على أنقاض قرية كفر عانة شرقي مدينة يافا وربما كان يضم بيوتا لفلسطينيين!  


   لم يطرح أحد فكرة أن يقوم الفلسطينيون خارج فلسطين بالمشاركة بأي عملية انتخابية في "إسرائيل"، ولا حتى في "فلسطين" المصطلح غير المعترف به رسميا. فهناك الملايين من الفلسطينيين الذين يحملون جنسيات في شتى أنحاء العالم ولم تنشأ لهم مراكز اقتراع كما أنشئت للعراقيين في أربع عشرة دولة. لقد كتبت الواشنطن بوست حول مشاركة اليهود العراقيين في الانتخابات أن رغبة هؤلاء بالتصويت تعكس حنينهم "لبلد كبروا فيه ولكنهم حرموا من أبسط الحقوق المدنية"! الفلسطيني لا يجوز له أن يشعر بالحنين لوطن! هذا إن تكلمنا عن المشاعر، ولكن الوثائق أمر آخر. فالكثير من الفلسطينيين يستطيعون الإثبات أن آباءهم فلسطينيون وأنهم ولدوا قبل العام 1986. والبعض يستطيع إبراز وثيقة ميلاد قبل العام 1948 تحمل كلمة "فلسطين"، لا بل أيضا حرفي "الألف" و"الياء" العبريين اللذين يدلان على عبارة "إريتس يسرائيل"، أي "أرض إسرائيل"!! فما الذي يريده العالم أكثر من ذلك؟!

التعليق