من الفرصة إلى الواقع في الشرق الأوسط

تم نشره في السبت 5 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

    مر وقت طويل منذ كان تعبير "الفرصة" يظهر في نفس السياق مع تعبير "الشرق الأوسط". لكننا الآن نستطيع أن نقول إن الوضع صار أفضل مما كان، فربما أصبح لهذا التفاؤل أساس على أرض الواقع الآن.


      بطبيعة الحال كان اختفاء ياسر عرفات من المشهد واحداً من ضمن الأسباب المهمة التي أدت إلى هذا التغيير في الموقف. فهو مثل سيد كودور الإقطاعي في مسرحية ماكبث لشكسبير، "لم يفعل بحياته ما يعبر عن قيمته الحقيقية سوى تركه لها".


      لم ينضج عرفات قط إلى ما يتجاوز صورة الرجل الذي ظهر منذ عقود في الأمم المتحدة وهو يحمل غصن الزيتون في يد وفي اليد الأخرى بندقية. فقد كان عزوفه عن التخلي عن الإرهاب ،واختيار الدبلوماسية دليل على عدم نفعه، الأمر الذي جعله بالتالي يفقد الشرعية في نظر إسرائيل والولايات المتحدة. وكانت النتيجة الفشل في إنشاء دولة فلسطينية.


لكن وفاة عرفات ليست ببساطة هي السبب وراء هذا التفاؤل. فقد أصبح لدينا الآن قيادة فلسطينية استمدت شرعيتها من الانتخابات، وهي قيادة تبدي المعارضة لاستخدام الإرهاب كأداة لتحقيق أهداف سياسية. يتمتع محمود عباس (أبو مازن) بسجل طيب يتمثل في تشكيكه في الحكمة من الانتفاضة التي حصدت العديد من الأرواح ولم تعد على أي من الأطراف المتورطة في هذا النزاع إلا بالمزيد من البؤس والدمار.


        وفضلاً عن ذلك فإن التغيرات الجارية في إسرائيل تساهم أيضاً في تغيير الأحوال. فقد أصبح في إسرائيل إدراك متعاظم لعدم انسجام الموقف الحالي ـ احتلال إسرائيلي بلا نهاية محددة لأراض تسكنها أغلبية من الفلسطينيين ـ مع عزم إسرائيل على أن تظل دولة ديمقراطية يهودية مزدهرة آمنة.


         كما كان تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة مؤلفة من المزيد من الساسة المعتدلين، علاوة على حصولها على تأييد تيار الوسط، بمثابة تطور إيجابي آخر. فالآن يقود إسرائيل رئيس وزراء يملك القدرة على اتخاذ قرارات تاريخية، وحكومة تميل إلى تأييده.


لكن الفرصة لا تزيد عن كونها فرصة. فتاريخ الشرق الأوسط حافل بالأمثلة على فرص السلام الضائعة. والآن يتمثل التحدي في تحطيم هذا النمط وتحويل فرصة اليوم إلى حقيقة واقعة.


           يتطلب إنجاز هذه الغاية أن يلقى فك الارتباط الإسرائيلي الموعود بغزة وأجزاء من الضفة الغربية النجاح. لكن "النجاح" يستلزم ما هو أكثر من مجرد رحيل الإسرائيليين، فهو يتطلب أيضاً أن يبدي الفلسطينيون قدرتهم على تولي الحكم على نحو يتسم بتقدير المسؤولية، وقدرتهم على وضع حد لانطلاق أعمال العنف الإرهابي من الأراضي الفلسطينية.


إن ما سيحدث في غزة عقب رحيل إسرائيل سيكون له أعمق الأثر على السياسات الإسرائيلية. فإذا ما تحولت غزة إلى دولة عاجزة بلا قانون يحكمها فصارت قاعدة لشن الهجمات على الإسرائيليين، فلسوف يكون من العسير للغاية إقناع إسرائيل بالانسحاب من مناطق أخرى تحتلها الآن. أما إذا أظهر الفلسطينيون في غزة قدرتهم على حكم أنفسهم بأنفسهم وأصبحوا يمثلون جـيرة طيبة، فإن الحجة الرئيسية التي تتشبث بها إسرائيل للاستمرار في احتلال مناطق أخرى من الأراضي الفلسطينية ستصبح ضعيفة واهية.


سوف يحتاج الفلسطينيون إلى المساعدة إذا سارت الأمور على ما يرام في غزة. فالولايات المتحدة، وأوروبا، والدول العربية مثل مصر، علاوة على روسيا والأمم المتحدة، تتحمل جميعها مسؤولية معاونة أبو مازن. حيث يحتاج الفلسطينيون إلى المساعدة المالية والفنية من أجل بناء مؤسسة أمنية موحدة قادرة، وإحياء الاقتصاد الفلسطيني المحتضر، وتأسيس نظام سياسي معاصر يتسم بالشفافية.


      من الضروري أيضاً أن يكون الانسحاب من غزة بداية وليس نهاية للعملية السياسية. ولابد من وجود ارتباط واقعي بين ما يحدث في غزة وبين تسوية شاملة للقضية الفلسطينية إذا كنا نريد من أبو مازن أن ينجح في إقناع أغلبية أفراد شعبه بأن الدبلوماسية والتوصل إلى التسويات بالتفاهم المتبادل سيعودان عليهم بنتيجة أفضل مما يتحقق من خلال العنف والمواجهة.


      وهنا أيضاً يأتي دور في غاية الأهمية يتعين على الولايات المتحدة أن تضطلع به. والحقيقة أن الولايات المتحدة قد بدأت بالفعل في أداء ما هو مطلوب منها. ففي رسالة بعث بها الرئيس جورج دبليو بوش في شهر سبتمبر من عام 2004 إلى رئيس وزراء إسرائيل آرييل شارون، أكد بوش للإسرائيليين أنه "من غير الواقعي أن تنتهي مفاوضات الوضع النهائي إلى عودة كاملة إلى خطوط الهدنة في عام 1949". ثم أضاف: "إن الإطار اللازم لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين لابد وأن يتحدد من خلال إنشاء دولة فلسطينية، وتوطين اللاجئين الفلسطينيين هناك بدلاً من توطينهم في إسرائيل".


      ولقد مثلت هذه الوعود الكثير بالنسبة لرئيس الوزراء شارون في وقت حيث يواجه تحديات سياسية داخلية. لكن الأمر يتطلب الآن رسالة موازية من بوش إلى أبو مازن يؤكد فيها على التزام الولايات المتحدة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة مجاورة ذات سيادة وقابلة للحياة والاستمرار، وفقاً لحدود 1967، علاوة على تعويضات تقدمها إسرائيل إلى الفلسطينيين في حالة الاتفاق على أي تعديل حدودي. كما يتعين على الولايات المتحدة أن تلتزم بتوفير الموارد اللازمة لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين، سواء في فلسطين أو في دول عربية أخرى، أو في حالات خاصة، في إسرائيل ذاتها إذا ما وافقت إسرائيل لأسباب إنسانية.


وفي المقابل يتعين على الفلسطينيين أن يتعهدوا برفض استخدام العنف والإرهاب إلى الأبد. ولكن لا ينبغي على الولايات المتحدة أن تجعل تأسيس النظام الديمقراطي الكامل في فلسطين شرطاً أساسياً لاستعادة الأرض والسلام. وذلك لأن تأخير المفاوضات إلى أن تنضج الديمقراطية الفلسطينية من شأنه أن يقنع الفلسطينيين بأن الدبلوماسية ليست أكثر من خدعة وأن يقدم لهم العديد من الأسباب للتحول إلى العنف. وفي النهاية، فبعد أكثر من نصف قرن من النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، سيكون من الصعب ترجمة الفرصة إلى حقيقة واقعة. وعلى هذا فإن الأمر لا يحتمل تقديم مطالب جديدة ليست أساسية على الرغم من كونها مرغوبة.
   ريتشارد هاس مدير تخطيط السياسات الأسبق بوزارة خارجية الولايات المتحدة، ورئيس مجلس العلاقات الخارجية حالياً.


خاص بالغد يالتنسيق مع "بروجيكت سنديكيت"

التعليق