ماذا بعد الانتخابات في العراق؟!

تم نشره في الاثنين 31 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

 


     قيل الكثير في الانتخابات العراقية، في أهميتها لمستقبل العراق وضرورة توسيع المشاركة فيها، ثم في وجوب إجرائها وأضرار تأجيلها. وأثار ذلك جدلا طويلا بدأ في العراق وانتهى في البيت الأبيض والبنتاغون والكونغرس الأميركي .وكان يفترض أن يفهم أنه لم يكن من فائدة ترجى من كل ذلك النقاش الذي جرى ما دام سيد البيت الأبيض يرى وجوب إجراء هذه الانتخابات ...وقد جرت ! 


     لقد كان موضوع الانتخابات العراقية يطرح على الأميركيين سؤالين هامين: لماذا الانتخابات الآن؟ وماذا بعد الانتخابات؟  كل الإجابات كانت تبريرية تتراوح بين (وضع العراق بأيدي أهله لتقرير مصيره ومصيرهم) وبين (ضرورة الخروج الأميركي من المستنقع العراقي). وإذا أسقطنا التبرير الأول لأنه تبرير زائف وفاسد، لا يبقى غير التبرير الثاني وهو حاجة الأميركيين إلى الخروج من المستنقع العراقي الذي أصبح بشهادة كل الخبراء العسكريين الأميركيين يهدد الولايات المتحدة بالهزيمة السياسية الصريحة.    


     والخلاف الأميركي- الأميركي لم يكن على ضرورة الانسحاب والخروج من المستنقع ولكن على كيفية الخروج منه. فالرئيس جورج بوش وحاشيته من المحافظين الجدد كانوا وما زالوا يسعون إلى الخروج بعد (إنجاز المهمة) التي جاءوا إلى العراق من أجلها.  أما المعارضون لهؤلاء، فيرون أنه ما لم يوضع برنامج للانسحاب بصرف النظر عن ما يمكن أن يحدث في العراق بعد الانتخابات، فإن الخروج لن يكون متاحا قبل سنوات عدة وهو ما سيبقيهم غارقين في المستنقع واستمرار الحديث عن الخروج منه.


     الآن وقد جرت الانتخابات، وليس هناك ما يستدعي أي حديث عن نتائجها لأن نتائجها كانت معروفة سلفا، أصبح السؤال: وماذا بعد الانتخابات؟ كثيرون حذروا من أن هذه الانتخابات ستجلب معها حربا أهلية قد تفضي إلى تقسيم العراق، وهو ما حاول البعض ومنهم أميركيون تخويف الرئيس بوش وإدارته منه . لكننا نعرف أن إدارة بوش جاهدة منذ وطئت قوات الاحتلال الأميركي- البريطاني التراب العراقي لتنفيذ أجندة تقسيم العراق، وهي بالتالي ليست خائفة ولا يمكن تخويفها بالحرب الأهلية بل قد تسعى لإشعال هذه الحرب إن كانت ستؤدي إلى تقسيم العراق، وقد تسهل عليها السيطرة على العراق من خلال هذا التقسيم وهي التي لم تستطع السيطرة عليه بعد ما يقرب من عامين على احتلاله.


       ولأن المشكلة الحقيقية بالنسبة لإدارة بوش ليس الحرب الأهلية وليس تقسيم العراق، تكون المشكلة: كيف يمكن التوفيق بين أهداف مهمة احتلال العراق وبين الخروج من المستنقع العراقي أو على الأقل التقليل من خسائرها فيه؟


وزيرة خارجية بوش الجديدة، كوندوليزا رايس، قالت بعد أن تسلمت منصبها الجديد: إنها (سوف تتبع سياسة أكثر واقعية) ! ماذا يعني ذلك، وأولا ماذا تعني الواقعية عند بوش ورايس؟! قد تعني الواقعية أول ما تعني رؤية الوضع في العراق على حقيقته، وهو ما لا تراه هذه الإدارة أو لا تريد رؤيته.


      لكن يبدو أن (الواقعية) في مفهوم رايس ينصب على تعاون إدارتها مع حلفاء أميركا الغربيين ومع الأمم المتحدة، وهو ما يعني التحايل عليهم لجرهم ورائها لإضفاء (شرعية دولية) على إجراءاتها كما فعلت في موضوع الانتخابات. مع ذلك، فإن الحليف الأقرب لبوش، رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، يقول، كما نسبت إليه صحيفة (الغارديان- 28/1/2005)، إن الولايات المتحدة وبريطانيا متفقتان على استراتيجية لسحب قواتهما من العراق، توصل إليها وزيرا الدفاع في البلدين بعد تقرير رفعه الجنرال الأميركي المتقاعد غاري لوك الذي أرسلته وزارة الدفاع الأميركية إلى العراق لتقييم الوضع هناك في كانون الأول الماضي. (يذكر أن الجنرال لوك قال إن ذلك الانسحاب قد يستغرق عدة سنوات إذا ما رهن بتحقيق الاستقرار في البلد) !


المضحك في الموضوع أن الرئيس بوش قال لصحيفة (نيويورك تايمز- 28/1/2005)، إن القوات الأميركية ستغادر العراق إذا طلب القادة العراقيون الذين سينتخبون انسحابها.

 وقبل هذا التصريح بأيام كان إياد علاوي يعلن أن الحديث عن انسحاب هذه القوات سابق لأوانه وأن انسحابها قبل حلول الاستقرار والأمن سيؤدي إلى الكارثة !
ذلك يعني أن الانتخابات العراقية التي جرت لن تغير شيئا سوى أنها ربما تؤدي الى تفاقم الأوضاع وتزيدها تعقيدا ومأساوية.

التعليق