مايكل مور: ضد الأمبرطورية الأميركية ثانية!

تم نشره في الاثنين 31 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

 


  مايكل مور صوت أمريكي احتجاجي لا يهدأ ضد إدارة جورج بوش وعصبته الحاكمة من المحافظين الجدد, وقد تحول في السنوات الأخيرة إلى رمز من رموز المعارضة الشاملة لبوش وسياسته وحروبه الخارجية. بدأ سطوع نجمه على الصعيد العالمي إثر حملته على السلاح الموزع والمنتشر بين الأمريكيين في الولايات المختلفة والذي ينشر العنف والقتل في المدارس وغيرها, وقد أنتج فلماً شهيراً كانت تلك القضية محوره الأساس. هجوم مور كان على لوبيات السلاح التي يمتد نفوذها من مناطق الريف الأمريكي ويصل إلى بعض أفراد لجان الكونغرس العسكرية المتحالفة مع شركات صناعات الأسلحة الخفيفة.

 غير أن حضوره البارز كان من خلال كتابه الشهير "رجال بيض أغبياء" وفيه شن حملته الأولى الأولى على بوش وأتهمه بأنه سرق الفوز في الانتخابات الرئاسية التي خاضها ضد آل غور سنة 2000, سنتها أثير لغط كبير حول فوز بوش, وحول التلاعب بالأصوات ثم إعادة فرزها, ثم الحكم الذي أصدرته لجنة قضائية قامت حولها شبهات التحيز مع بوش.

في نفس الكتاب انتقد بوش سذاجة الأمريكيين بقسوة, وطالبهم بالتيقظ لما يدور حولهم وكيف يتم التحكم في مستقبلهم ومستقبل بلادهم. بعدها, أصدر مور كتابين آخرين في نفس الاتجاه آخرهما وأهمها "السجل الرسمي لفهرنهايت 11 سبتمبر".

 أهمية ذلك الكتاب تكمن في نقضه لكل مبررات حربي بوش ضد أفغانستان والعراق, وهو نقض من الداخل وموثق ويعتمد على وثائق وتسجيلات لعلاقات بوش وشركاؤه (ديك تشيني, دونالد رامسفيلد, بول وولفويتز, الخ ...) مع شركات ولوبيات النفط.


  لكن الضربة المؤلمة جداً التي وجهها مور لبوش وإدارته كانت في إنتاجه وإخراجه فيلم "فهرنهايت 11/9" الهوليويدي والذي ذاع صيته وعرض لأشهر طويلة ليس فقط في أميركا بل في كل العالم. وقد ثار حنق بوش على الفيلم ومخرجه وحاولت إدارته بشتى السبل ايقاف عرض الفيلم, لكنها لم تنجح إلا في فرض تصنيف فئة عمرية محددة (فوق عمر 15) لمن يسمح له بحضور الفيلم.

تحدث الفيلم عن أن كل مبررات الحرب ضد العراق مفتعلة وليس لها علاقة بالمسوغات التي أعلنت آنذاك. ولاحق الفيلم آليات تجنيد الأمريكيين لتلك الحرب وكيف أن غالبيتهم هي من المهاجرين من أمريكا اللاتينية الذي وعدوا بمنحهم الجنسية إن هم التحقوا بالحرب في أميركا.

والأهم من ذلك بحث مور في فيلمه في تفاصيل تعامل بوش وارتباكه خلال الساعات القليلة التي أعقبت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر وكيف لازمه الشلل ولم يعرف كيف يعالج الموقف, ثم اختفى. رسالة الفيلم أن بوش وإدارته يرسلون الشبان الامريكيين ليموتوا في بقاع العالم دفاعاً عن مصالح شركات النفط التي يساهم فيها بوش والنخبة الداعمة له, أو عن أحلام المحافظين الجدد في السيطرة على العالم. الفيلم أثار عاصفة من التأييد العالمي وقد مُنح جوائز عدة رفيعة أمريكياً.


  أهم ما راتبط بذلك الفيلم هو أنه عُرض في البلدان التي تتواجد فيها قوات وقواعد أمريكية.

 ورغم أن حملة مور في إفشال إعادة انتخاب بوش لفترة رئاسة ثانية إلا أنه نجح في تشويه سمعة بوش إلى أدنى نقطة ممكنة, وخاصة في أوساط الجيش الأمريكي.

 ويذكر أن كتبه تحظى بشعبية هائلة بين أفراد الجيش الأمريكي وهو ما يثير حنق المسؤولين. ولأن مور لم ييأس في حربه الضروس ضد بوش رغم انتصار الأخير, فهو يصدر كتاباً جديداً يجمع السخرية والنقمة وطرافة الفكرة.

في هذا الكتاب الذي يأتي تحت عنوان "هل يمكن أن يثقوا بنا ثانية؟ رسائل من جبهة الحرب" يجمع مور عينة موسعة من الرسائل التي وصلته بالبريد الالكتروني من قبل أفراد وضباط في الجيش الأمريكي تؤيده وتشد على يده في كل ما فعله وخاصة في فيلمه الشهير الاخير.

الرسائل تنقل صورة مثيرة وفائقة الأهمية عن مشاعر وآراء أفراد الجيش الأمريكي وهم في الميدان.

 فهم يكتبون بمرارة فائقة ويقولون لمور أنه عبر تماماً عما يجيش في صدورهم, وأنهم يريدون لكل الأمريكيين أن يعرفوا حجم الخديعة الذي تعرضوا له.


  ويذكر مور أنه قبل أن ينشر رسائل العسكريين فقد طلب الإذن منهم واحداً واحداً وعرض عليهم إما أن ينشر الرسائل موقعة بأسمائهم الحقيقية, أو يخفي أسماءهم حتى لا يطالهم أي مساءلة من قبل مسؤوليهم في الجيش. ويضيف مور أنه فوجىء بأن الغالبية القصوى منهم عبروا بجرأة واضحة عن رغبتهم في نشر أسمائهم متحدين مسؤوليهم في ذلك.

 وهنا يتوجه مور إلى البنتاغون في رسالة مباشرة تتضمن المرارة والسخرية في آن معاً ويقول "إنني أسألكم بحق كل شيء في هذه البلاد (اميركا) وبشكل أساسي المبادىء الأولية للجمهورية الأمريكية التي تضمن حرية التعبير أن لا تتعرضوا لهؤلاء الجنود الذين يخاطرون بحياتهم من أجلنا والذين اختاروا بشجاعة أن يخبروا بقية الأمريكيين بما لا يرونه. ليس ثمة سبب يسوغ معاقبة هؤلاء لأنهم أرادوا أن يقولوا الحقيقية".


  لكن ما يتفاجأ به المرء هو مقدار الإحباط والخوف والنقمة الذي تحمله الرسائل التي يضمنها مور في كتابه. وما يفاجىء أكثر هو بقاؤها في الظل حتى الآن, وهنا يطرح مور السؤال الكبير لماذا لم تصل المرارات التي تعبر عنها الرسائل إلى الأمريكيين ولماذا لا يعرف الشعب الأمريكي حقيقة ما يحدث في العراق؟ وهنا يتهم مور الإعلام الأمريكي بإخفاء المعلومات الحقيقية انصياعاً وخوفاً من الإدارة الأمريكية. فبالتأكيد أن عشرات إن لم يكن مئات الصحفيين الأمريكيين المتواجدين في العراق ويختلطون مع أفراد الجيش على اطلاع كبير ولصيق بحالة الإحباط التي يعيشها أفراد الجيش, ومع ذلك فليس هناك تغطية لها.


  صوت مور صوت شجاع وضد نظام حكم شبه أتوقراطي رغم أنه فاز بالانتخابات, وهو نظام خطير لأنه يعتقد بأنه يقوم بمهمة إلهية.

 في نفس الوقت علينا أن نقول إن مور ليس "قومياً عربياً" فلا يجب أن ننتظر منه شيئاً لا ينطلق من فهمه هو للمصلحة الأمريكية التي يرى أنها تكمن في التخلص من بوش وزمرته وفكره.

 هذه الملاحظة الختامية تستمد شرعيتها من المبالغة التي يلحظها المرء في فيلمه المهم عندما يتحدث عن تأثير علاقات بوش العربية وخاصة علاقاته وعلاقات أبيه مع السعودية على السياسات التي يتبعها.

 ولا يملك المرء إلا برصد قدر بارز من التهكم غير المباشر على العرب, وتصويرهم بأنهم يديرون الولايات المتحدة من خلال "إمبرطوريات المال" التي يتحكمون فيها! تكتمل صورة مور الشجاع عندما ينتج فيلماً مشابهاً ويكتب كتباً مشابهة تكشف تأثير اللوبيات اليهودية في السياسة الأمريكية, وكيف تمكنت تلك اللوبيات من "لكودة" (من الليكود) سياسية الولايات المتحدة وجرجرتها وراء مصالح إسرائيل بعماء مطبق.


Email: hroubk@aol.com

التعليق