ثقافة الاحتلال

تم نشره في الجمعة 28 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

 هنالك ثقافة من نوع جديد تحكم أمريكا، وبالتالي تحاول أن تحكم العالم. وهي ثقافة مزيج من تجارب تاريخية سيئة، تعمل ادارة بوش على تجميعها من جديد بأسماء جديدة وبعثها الى الحياة.

 

    وتستوحي هذه الثقافة الجديدة والتي تشكل الآن عنوان حكم الجمهوريين مقوماتها من المكارثية سيئة الذكر من جهة، ومن جهة أخرى تستند في تعاملها مع العالم على عقلية الجنرال ماك آرثر (سيىء الذكر أيضا).

 

    المكارثية في التاريخ السياسي الأمريكي مرتبطة بحقبة لا يحب الأمريكيون تذكرها، قادها آنذاك السيناتور جوزيف مكارثي المنتخب عن ولاية وسكنسون في الغرب الأوسط الأمريكي، وهي المنطقة التي عادة ما تفرز المتعصبين في التاريخ الأمريكي! والمكارثية ـ تاريخيا ـ هي اعادة انتاج متطور لفكرة أكثر بشاعة هي محاكم التفتيش، والفرق الكامن بينهما أن محاكم التفتيش كانت محاكم باسم الله، تطارد آخرين يناهضونها باسم الله أيضا، أما السناتور مكارثي فكان مهووسا بمطاردة من لا يؤمنون بالله وباسم الوطن الأمريكي. أشاعت المكارثية حينها ثقافة الذعر، واستطاعت لفترة أن تحول المجتمع الأمريكي المتفاخر بديمقراطيته الى مجتمع مخبرين يشبه مجتمع الذعر في الاتحاد السوفييتي السابق وسلطة الكي جي بي فيه.

 

   انتهت مرحلة المكارثية، وأغلق الأمريكيون ملفاتها بسرعة كارهين ذكرياتها، وها هم الآن يعيدون انتاجها من جديد بشكل ونهج جديدين.

    فبعد أحداث سبتمبر الدامية، بدأت المؤسسات الأمريكية المذعورة بتقمص صلاحيات محاكم التفتيش التاريخية باسم الله والوطن الأمريكي معا، سعيا لمطاردة عدو يحاربهم باسم الله! وربما تكون خطة وزير العدل الأمريكي المعروفة باسم تيبس هي التجلي الأخير لهذه الصورة المكارثية الجديدة، التي يقودها رئيس قادم من الغرب الأوسط أيضا، يحمل خلفية تاريخية تؤمن بتفرد أمريكا المطلق، ومحاط برجال متعصبين دينيا مثل فالويل وباترسون، يؤمنون أن الله كلف أمريكا بمهمة تطهير العالم واقامة مملكة الرب.

 

    الحالة الأمريكية الراهنة تفضح واقع الصورة بشكل لا يمكن اخفاؤه، فالسلطات الممنوحة للرئيس وأجهزته الأمنية واسعة ومرعبة، والأمريكي الآن هو اما مشتبه به ـ حسب أصوله وعرقه ـ أو معرض للخطر ومذعور ويحتاج وصاية الدولة وحمايتها على مدار الساعة مما يتطلب تدخلا في حياته اليومية وتفاصيلها، وهو ما لم يعتده الأمريكيون.

 

الأخطر في الحالة الأمريكية هو الشعور المتعملق بتجاوز السيطرة على الشر خارج الحدود، وتوهم شرعية التدخل في شؤون الغير، مما سيشكل سابقة خطيرة، عبرت عنها بصراحة الخارجية الأمريكية منذ بداية تشكيل حكومة احتلال في العراق المستهدف، وهو أحد محاور الشر التي قررتها الادارة الأمريكية المهووسة الآن باشعال الأزمات. فكرة حكومة الاحتلال هي انتاج مكرر لتجربة الجنرال ماك آرثر في اليابان، وهي تجربة مؤلمة قطعها الرئيس ترومان بلحظة حكمة قبل تماديها ووصولها نقطة لا يمكن بعدها السيطرة عليها فأقال الجنرال المذكور بشكل درامي ومفاجئ.

 

    وفي عالم جديد، كان لفترة بسيطة يودع تقاليده القديمة في النزاعات وادارة الأزمات نحو عولمة وديمقراطية وتقارب بشري، فان احياء فكرة حكومة الاحتلال تعد سابقة ستثبت شرعيتها بواقع الحال في المجتمع الدولي، وهي دون مصادفة متزامنة مع تفريغ الأمم المتحدة من دورها الجوهري، وهو الدور الذي أثبت بعد الحرب الكونية الثانية قدرته النسبية على ضبط العالم بشكل جماعي يحافظ على التوازن والسلم فوق هذا الكوكب.

 

   في الداخل الأمريكي هناك أصوات تحاول التعبير عن خطورة الحالة الراهنة، وهي أصوات تغامر بوطنيتها في ظل هستيريا وطنية ديماغوجية تنظمها الدولة بوسائل اعلام يديرها رأسمال ضخم له مصلحته في تفاقم الأوضاع لتحقيق غاياته ومآربه. العالم بحاجة الى لحظة توقف وتكاتف لوقف هذا الجنون التاريخي والذي لن يؤدي بالنهاية الا الى النهاية!!

malikathamneh@hotmail.com

التعليق