مستقبل التيار السلفي-الجهادي في الشيشان وتبدل القيادات

تم نشره في الخميس 27 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

      ظاهرة المقاتلين العرب في الشيشان تعد من المسائل الأساسية عند الحديث عن الحرب الروسية-الشيشانية خاصة في الأونة الأخيرة، وتحديدا منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 حيث يستغل وجود بعض المقاتلين العرب في الشيشان لوسم الحركة الاستقلالية الشيشانية بالارهاب من قبل البروباغاندا الروسية دون تمييز.

 

وأما المقاتلون العرب في الشيشان فهم في معظمهم من أبناء التيار السلفي-الجهادي، والذي يعد تنظيم القاعدة أبرز من يعبر عنه، ولا يعني هذا بأي حال من الأحوال وجود صلات تنظيمية بينهم، إنما هم تعبير عن ايديولوجيا واحدة تستند إلى العنف لتحقيق المطالب السياسية.

 

     والتيار ذاته في الشيشان، ومنذ الحادي عشر من سبتمبر، واعلان الحرب على الارهاب يواجه أزمة داخلية سببها انقطاع الدعم الخارجي في الوقت الذي فرضت معظم دول العالم الرقابة على تنقلات الأموال، ومن جراء تصفية قياداته.أما على صعيد الأموال، والتي شكلت شرعية الوجود للتيار السلفي-الجهادي أو المقاتلين العرب في الشيشان، فقد لعبت الاجراءات التي فرضتها الدول في كافة أنحاء العالم على تنقلات الأموال دورا في تراجع دور المقاتلين العرب في الشيشان، حيث كانت قوتهم المالية عاملاً مهماً في التجنيد وممارسة السياسة في الشيشان خاصة في حقبة ما بعد انتهاء الحرب الأولى 1997-1999. وأما الضعف الناجم من نقص الأموال برز بالعديد من الرسائل التي كان يصدرها قيادات التيار داعين إلى الدعم المالي من خلال المواقع الإسلامية على الانترنت.

 

     وأما على صعيد تصفية قيادات التيار فبعد اغتيال القائد السعودي الأصل "خطاب" قتل خليفته السعودي أيضاً "أبو الوليد الغامدي"، فبرز اسم "أبو حفص الأردني"، والذي عدته العديد من التقارير الروسية الأساس، نائب أسامة بن لادن في الشيشان.

 

   الأسئلة المثارة عند الحديث عن أبو حفص الأردني تتلخص بمن هو؟ ومدى صحة ربطه بتنظيم القاعدة؟ والرؤية المستقبلية للتيار السلفي-الجهادي والمقاتلين العرب في الشيشان في اطار الصراع الشيشاني الروسي؟

 

أبو حفص الأردني:

 

لا توجد معلومات دقيقة عن شخصية أبو حفص، فالمصدر الوحيد هو ما نشرته الصحف الروسية نقلاًعن الاستخبارات الروسية حيث أشارت إلى أن أبو حفص هو المبعوث الرسمي لأسامة بن لادن في الشيشان، وتم تعيينه خلفاً لأبي الوليد. وان إحدى المهام الرئيسية لأبي حفص هي التصرف والرقابة على الأموال التي تأتي من الخارج، وإنه في عام 2002 كان مسؤول تنظيم القاعدة في جورجيا، وعرف باسم (أمجد). وتشير المصادر الروسية إلى أن أبو حفص ولد في الأردن ويحمل جنسية سعودية، ويبلغ من العمر حوالي 40 عاما. وأنه في بداية التسعينيات اشترك مع خطاب وأبو الوليد في القتال بطاجيكستان. وأنه توجه معهم إلى الشيشان عام 1995-1996 حيث كان مدرباً عسكرياً في معسكر خطاب بالقرب من منطقة (سيرجين يورت)، وتزوج من شيشانية.

 

     وتشير المصادر الروسية أن أبو حفص/أمجد أنتقل عام 1996 إلى جورجيا بأوامر من ابن لادن ليصبح ممثلا للقاعدة هناك. وعاش في منطقة (تسونيبان) بوادي بانكيسي الواقع على الحدود الجورجية الروسية من جهة الشيشان.

 

وإثر اغتيال خطاب عام 2002، وتولي أبو الوليد مهامه، وأصدر أول أوامره بعودة أبو حفص من جورجيا إلى روسيا. وعقب عودته إلى الشيشان تزوج أبو حفص للمرة الثانية من شيشانية أخرى، هي أرملة المقاتل العربي أبو جعفر الذي قتل عام 2001. وأحاط نفسه بقوات حرس من أصل عربي بقيادة شخص يدعى جابر.

 

ورغم أن المعلومات الروسية هذه قد تكون مغرية للباحثين إلا أن اشكالية التثبت من مصداقيتها تبقى مسألة أساسية مع ادراك التعامل الروسي مع ملف المقاتلين العرب في الشيشان يستند بالأساس على نوع من الدعائية لتبرير الحرب على الشيشان بأنها حرب على الارهاب. حيث بقيت المصادر الروسية تردد منذ 1998 أن الاسم الحقيقي لخطاب هو "حبيب عبد الرحمن" وأنه أردني، حتى ثبت أن اسمه "سامر سويلم" وأنه سعودي الجنسية. ومن ناحية أخرى تجد أن رواية انتقال أبو حفص إلى جورجيا عام 1996 تبقى مصدر شك إذ يشير أحد الكتاب إلى اسمه في معرض توثيقه لسير "الشهداء العرب" في بعض مناطق القتال مثل البوسنة والهرسك والشيشان، عندما يتحدث عن مقاتل أردني اسمه "أبو أسيد الشمري" بأن "أبو حفص كان مرافقاً" له يوم وفاته في عام 1996، فمن غير المنطقي أن ينتقل إلى جورجيا  في فترة الحرب. ومن ثم يتولى القيادة بعد غياب 6 سنوات عن جبهة القتال.

 

     بعد توليه القيادة نشرت المواقع الإسلامية صوراً لأبي حفص، تتطابق مع الصورة التي عرضها وزير الخارجية الأميركي "كولن باول" في مجلس الأمن فبراير 2003 حين أشار إلى شبكة دولية يترأسها أبو مصعب الزرقاوي، ويمثله في روسيا "أبو حفص"، وعلى أن الغموض يبقى يلف الشخصية إلا أن من الواضح مما كتب ونشر على الانترنت أنه يمثل امتداداً لنمط سابقيه "خطاب" و"أبو الوليد" سواء من حيث السن، أو من حيث لغة الخطاب.

إعلان القيادة:

 

      أول ما نشر بتوقيع "أبو حفص الأردني-قائد الأنصار العرب في الشيشان" هو رسالة يشرح فيها ظروف وفاة سلفه "أبو الوليد الغامدي"، وهو الأمر الذي فعله أبو الوليد إثر اغتيال خطاب، وهو يبدو نوعا من الإعلان عن تولي القيادة وإعلام قيادات التيار السلفي-الجهادي بتوليه قيادة التيار في الشيشان.

 

كتب أبو حفص ظروف وفاة أبو الوليد في رسالة مفتوحة مطولة بادئاً اياها بمبررين: "حرصا على إيصال الحقائق، وتدوين تاريخ ابطال وشهداء أمتنا الإسلامية" ناسباً اجازة نشر القصة إلى مجلس الشورى العسكري في الشيشان، حيث أشار إلى أن "القائد أبو الوليد - بصفته القائد المسؤول عن الجبهة الشرقية ومجموعات في الجبهة الغربية ومجموعات في الجنوب ومجموعات متحركة في العاصمة وما حولها من قرى ومدن - كان القائد أبو الوليد في جولة بين كل هذه المجموعات لإعطائهم خطط العمليات والتنقل والتموين خلال فصل الشتاء، وقد مر على أغلب هذه المجموعات" وقد تمت محاصرته في منطقة "تسافيدنو" وهو في طريقه إلى الجبهة الشرقية، بعد أن بقي في منطقة "اليستنجي"، بعد أن عرفت القوات الروسية عبر أسر ممن كانوا معه، فتل فور ظهوره من خلال قناصي القوات الروسية.

 

الإيديولوجية السلفية الجهادية

 

            رغم عدم وجود كتابات أو مقابلات تبرز ايديولوجية أبو حفص الأردني، إلا أن من البديهي انه ينتمي إلا تيار السلفية-الجهادية حسب الجماعة التي يقودها في الشيشان، وله في هذا الاطار رسالة تعزية بوفاة أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر "أبو إبرهيم مصطفى" الذي وصفه  بأن كان له "بصمات طيبة في عمل الدعوة والجهاد وقد فقد المسلمون علم من أعلام الجهاد في عصر قل فيه المجاهدون وكثر فيه المنافقون". وفيه ما يتضح الايديولوجية السلفية الجهادية التي تجمع بين المقاتلين العرب في الشيشان والجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر.ومن المعروف أن الجماعة السلفية للدعوة والقتال تعبير عن التيار السلفي-الجهادي المتزايد في العالم وهو مايبرز من مزاوجة اسم التيار بين مفهومين أساسيين يعبر كل واحد منهما عن اطار فكري جهادي: القتال، وسلفي: الدعوة. وفي الرسالة ما يؤشر على التواصل الايديولوجي بين تنظيمات التيار السلفي-الجهادي دون أن يؤشر لصلات تنظيمية فيما بينها.

مأزق التيار في الشيشان ومسارات الصراع:

 

            وكما ذكرنا فإن التيار السلفي-الجهادي في الشيشان يواجه مأزقاً بانتفاء "شرعية الوجود" المستندة إلى التمويل ومساهمة هذا التمويل باستقطاب الشباب المحبط من الحرب الروسية الوحشية وانتهاكات حقوق الانسان التي تجري باسم "الحرب على الارهاب"، وعزل التيار المعتدل في الحركة القومية الشيشانية ممثلة برئيس الجمهورية "أصلان مسخادوف".

 

            من الواضح أن أبو حفص يحاول أن يظهر التيار بأنه ما زال قوياً كبداياته في الشيشان، فعلى حين نشر على الانترنت رسالة يدين فيها حادثة بيسلان، وينفي أي علاقة "الأنصار [العرب] في الشيشان...بقتل الأطفال والنساء والعزل في مدرسة بيسلان بجمهورية أوستيا الشمالية .. بهذه العملية وأن كل ما قيل عن دور للرئيس مسخادوف أو القائد شامل بساييف أو الأنصار في هذه العملية فهو كذب وافتراء من الحكومة الروسية".

 

وهو يريد أن يظهر بذلك كصاحب قرار في الحركة الاستقلالية الشيشانية.

 

ومع توارد التقارير الصحفية عن مفاوضات تجريها منظمة "أمهات الجنود" مع قوى شيشانية اصدر أبو حفص تصريحاً يعلن فيه باسم "قيادة المجلس العسكري وقيادة الشورى للمجاهدين العرب في الشيشان" أنه "لن يتم تفاوض لا مع منظمة -امهات الجنود- الروسية غير الحكومية، ولا مع الحكومة نفسها" مبرراً بقوله "...عزيمتنا ومنهجنا التي ضحى لأجلها الخطاب وأبو الوليد وغيرهم من شهداء الأسلام، تأبى الذل أو الضعف أمام الروس وغير الروس، فلقد كتبنا على أنفسنا عهد أمام الله سنبقى نجاهد ولن نهزم،  ولن نفاوض، وسيخرج الروس والعملاء من الشيشان لينال المسلمون هنا استقلالهم. أو سنحول موسكو إلى جحيم أحمر يحترق فيه كل ملحد وجبان". مؤكدا على استمرارهم في القتال.

 

ما يتضح من طبيعة الخطابات والرسائل ابراز "الانصار العرب" كتنظيم عصي على الهزيمة، ولا يواجه مأزقاً في الشيشان بفعل تراجع شعبيته، والنقص في الدعم المالي الذي كان بدوره العامل الأساسي المصدر الأساسي لوجود التيار، وفقدان قياداته. ولكن من المهم ذكره أن هناك عاملاً أساسياً، ما زال قائماً، ويلعب دوراً في اثارة النزعات المتطرفة وهي السياسة الروسية الوحشية وانتهاكات حقوق الانسان للمدنيين الشيشان، وعزل التيار المعتدل في الحركة الاستقلالية الشيشانية برفض التفاوض معه، وعليه فان دوائر العنف ستبقى تتزايد حتى وإن تراجع التيار السلفي-الجهادي في الشيشان، الذي شكل أساساً عبئاً على الحركة القومية الشيشانية منذ بروزها منتصف التسعينيات، فلا حل للمسألة الشيشانية دون أن تجلس روسيا إلى طاولة المفاوضات مع القيادة الشرعية للشيشان.

التعليق